ما العلاقة بين السذاجة وقراءة الكتب نفسها؟

استوقفتني قبل بضعة أشهر رسالة وتسابيّة تحمل اقتباسًا للروائي الياباني هاروكي موراكامي. يقول الاقتباس: “إن اكتفيت بقراءة ما يقرؤه الآخرون، فستفكر حتمًا كما يفكرون”. ولأنني استهجنتُ فحواه، سارعتُ للبحث أولًا عن صحة نسب الاقتباس لأقرر مدى حلطمتي وما إذا كانت ستقتصر على المضمون وحسب أم أنها ستطال موراكامي نفسه (لي آرائي الشخصية حول الفصل بين ما تقوله شخصيات العمل الأدبي وما يؤمن به الكاتب، وأعاملها في كثير من الأحيان كما لو أنها متحدثة شبه رسمية بالنيابة عنه، تمامًا كهذه الحالة). 

اكتشفت أن نسبة الاقتباس لموراكامي صحيحة. الاقتباس مأخوذٌ من رواية الغابة النرويجية. ورد بترجمة سعيد الغانمي المنشورة عن المركز الثقافي العربي بصيغة مختلفة قليلًا، أوردها هنا لأهمية الجملة الثانية: “إذا كنت تقرأ الكتب التي يقرأها كل شخص سواك فقط، فلن تستطيع التفكير إلا بالطريقة التي يفكر بها كل شخص سواك. وهذا يعني عالم الريفيين والسذج“. قررت منذ تلك اللحظة أن أكتب يومًا ما عن سخافة الفكرة، عن سخافة الربط بين التفكير والكتب أولًا، وسخافة الربط بين السذاجة والتفكير بشكل جمعيّ إن صح التعبير ثانيًا. أظن أن الـ “يومًا ما” المناسب قد حان.

برغم استجداد الاقتباس عليّ، لم تكن هذه المرة الأولى التي أصادف فيها فكرةً مماثلة لما يتضمنه. أجد ذات الفكرة مثلًا في التعليقات على صور حصائل معارض الكتاب، أو في الانتقادات الموجهة لأندية الكتب، بل حتى في التشنيع على توصيات القراءة أو ما أشبه. هناك دائمًا تركيزٌ على عناوين الكتب المنتقاة وانتقادٌ لكونها متداولة عند الجميع. هذا يعني أن أي اتهام بتناولي للفكرة تحاملًا على موراكامي (وأنا لا أحاول إخفاء هذا التحامل بالمناسبة) غير دقيق، حتى وإن كان الاقتباس القشة التي قصمت ظهر الدبّانة. أعارض الفكرة المتضمنة في الاقتباس لأسباب عديدة، وسأحاول في هذا المقال استعراض جزء منها.

هناك محوران رئيسيان تتفرع منهما بقية النقاط. يتعلق المحور الأول بالافتراضات التي يتضمنها الاقتباس عن علاقة التفكير بالكتب. حسبما يذكر الاقتباس، تؤدي قراءة ما يقرؤه الآخرون إلى التفكير مثلهم. هذا يعني، بشكل أو بآخر، أن الأفكار تتولد من النص أولًا، وأن القارئ غير فاعلٍ في قراءته ثانيًا. بعبارة أخرى، يُقبل القارئ على النص كما لو أنه وعاء فارغ يباشر الامتلاء وفق ما يمليه النص. هل هذه الافتراض سليم؟ لا.

القراءة دائمًا عملية تفاعلية بين القارئ والنص. يقبل القارئ على النص محملًا بخلفية معرفية يفهم النص على ضوئها. نتيجة لمحاولة الفهم هذه، قد يُعاد تشكيل الخلفية المعرفية لدى القارئ. حصيلة القارئ اللغوية والمعلوماتية وحسّه النقدي والأطر الفكرية التي يتبناها كلها داخلة في عملية القراءة. هذا يعني أن الأفكار لا تتولد من النص بوصفه نصًا وحسب، بل تتولد بحسب استقراء الفرد للنص وقدرته على توظيفه داخل منظومته الفكرية. 

القراء المفترضون في اقتباس موراكامي على النقيض مما ذكرتُ أعلاه. فهم خاملون ومتطابقون ويمتلكون ذات الحصيلة المعرفية واللغوية والثقافية التي تجعلهم لا يفهمون النص إلا كما يُملى عليهم. هذا بعيد كل البعد عن الواقع. قد نقرأ جميعًا الكتاب نفسه ويستنتج كلٌّ منا أمرًا مختلفًا عن الآخر. لا يمكن إلغاء أو تهميش التفاعل بين النص والقارئ مهما بدا ضئيلًا. 

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من الاقتباس -وهو الذي يربط بين السذاجة والانتماء لجماعة تفكر بالطريقة نفسها- فلا أجد فيه إلا محاولة للممايزة الذات ورفع قدرها على حساب الآخرين. يتواجد هذا الطبع عند كل الناس، وأحمد الله أني لست منهم (see what I did there?). هناك دائمًا رغبة لممايزة الذات، لممايزة القناعات والتوجهات الشخصية عما يقتنع به ويتوجه إليه الآخرون. في حالة بطل الرواية المدعو واتانابي، يعتقد أن قراءة بلزاك ودانتي وكونراد وديكنز تؤهله لأن يفكر بطريقة مختلفة عن الريفيين والسذج، تؤهله لئلا يكون مجرد نسخة عن غيره. لا أدري ما إذا تعمد موراكامي ذكر هذه الأسماء معتقدًا فعلًا أنها تمايز الفرد أو أنه يوظفها من باب السخرية غير المباشرة. ما يهم بالنسبة لي هنا أن بطل الرواية مايز ذاته عبر ما يُدخله بالضرورة في فكر جمعي آخر، في حزب يجد أن هذه الأعمال جزء من ثقافة مغايرة، في ما يمكن تسميته بتيار الأدب الغربي السائد. سأوضح هذا الأمر بشكل أكبر في النقطة القادمة.

هل يعني كل ذلك أن قراءة ما يقرؤه الآخرون وحسب أمر جيد؟ أؤمن أن هذا السؤال ملغوم من البداية؛ محاولة ممايزة الذات عن البقية عبر ما يُقرأ أمرٌ لا معنى له. كل قارئ سيخلص بنتيجة مختلفة عن الآخرين، وهذه النتيجة قد تكون جيدة بالنسبة للبعض وسيئة بالنسبة لآخرين. هذا يعني أن قراءة نفس الكتب أمرٌ لا علاقة له بالسوء أو الحسن. 

ولكن هناك نقطة أخرى قد تكون مثيرة للاهتمام. قد لا يكون الاقتصار على قراءة الكتب التي يقرؤها الآخرون مؤثرًا على التفكير نفسه، لكنه قد يؤثر على أفقالتفكير فيما يتعلق بصنف ومواضيع تلك الكتب. أعني بأفق التفكير قدرة الفرد على تشكيل الروابط بين الأفكار المختلفة ومدى اتساع منظور مقاربته. حين يقتصر الفرد على قراءة الكتب التي يتداولها من حوله، قد ينتهي به الأمر لتقبل آفاقهم وآفاق مواضيع الكتب وتقنينها دون أن يشعر. تتحول القراءة عندئذ من عملية تفاعلية لعملية فرز، من محاولة فهم لمحاولة تصنيف، من وسيلة بناء لأداة صون. محدودية أفق التفكير تعني بالضرورة القراءة ضمن قوالب موضوعة مسبقًا، سواء تسمّت هذه القوالب بالمدارس أو الفلسفات أو الحركات أو الأصول التاريخية. بعبارة أخرى، كل كتاب إما أن يكون جزءًا من نقاط التحول داخل القالب أو أن يكون خارج التاريخ وغير ذي أهمية.

يمكن ملاحظة محدودية أفق التفكير عند من يحصر قراءاته في مجالات معينة لا يتجاوزها. فباستخدام بطل الرواية مثالًا، نجد أنه يستخدم دانتي وبلزاك وديكنز بوصفهم أعلامًا أدباء. هذا ليس أمرًا مغلوطًا بالضرورة، لكن لا يمكن إغفال حقيقة أن أهمية هذه الأسماء متعلقة بتعريف معين للأدب يمكّن تصنيف هؤلاء الأفراد كأدباء. وفق ذات التعريف، يكتسب تاريخ الأدب سردية معينة تبرز أفرادًا وتهمش آخرين. هذا يعني أن محدود أفق التفكير يسير ضمن إطارٍ أدبيٍّ مرسوم مسبقًا، وتصبح الثقافة الأدبية مجرد إلمام بأسماء “رئيسية” وانطباعات معينة حولها.

يمكن أيضًا ملاحظة محدودية أفق التفكير عند من لا يستطيع الخروج عن نسق أفكار محدد. أجد هذا الأمر أكثر انتشارًا عند المهتمين بتأريخ الأفكار. فبالنسبة إليهم، تتحول الفكرة إلى أمر حقيقي يتطور ويتقدم عبر الزمن، والإلمام بالفكرة يعني إلمامًا بنقاط التحول وأهم المفكرين الذين كتبوا أو تحدثوا عنها. ومثلما أسلفتُ بالمثال السابق، تُبنى هذه المقاربة على سردية معينة تجرد الأفكار من ظروفها الواقعية وتُكسَبها هالة من القداسة، وترتسم حدودها -نتيجة لذلك- وفق ما ناقشه أهم مفكريها.

قد يكمن الاعتراض الرئيسي على محدودية أفق التفكير فيما يسمى بالقراءة العمودية، أو القراءة التي يهدف الفرد من ورائها للبناء المعرفي إن صح التعبير. ففي نقاش مع أحد الأصدقاء، أشار لأن البناء يحتاج بالضرورة إلى قراءة العديد من الكتب المتخصصة في مجال ما، بحيث يكوّن القارئ خلفية معرفية تؤهله لأن يتجاوز الفهم المبدئي إلى التحليل والتنبؤ فيما يتعلق بذلك المجال. بعبارة أخرى، إذا أراد الفرد فهم ظاهرة ما، فلا بد أن يبدأ بأهم ما كتب حولها قبل القراءة في آخر الأبحاث والكتابات المبنية عليها. أعتقد شخصيًا أن الأمرين غير متعارضين، وأن الخلاف الظاهر نتيجة لفهم مغلوط للفصل بين المجالات المعرفية. يمكن مقاربة موضوعٍ ما من عدة زوايا دون أن يلغي أي منها الآخر. فالمقاربة الاقتصادية لظاهرة ما مثلًا لا تعني أن المقاربات الاجتماعية أو السياسية أو الفلسفية غير ممكنة، بل إن القراءة العمودية بحد ذاتها مبنية على التكامل المعرفي لتشييد بنية تأخذ بعين الاعتبار تفاعل المقاربات المختلفة في تشكيل أي ظاهرة. يقتصر محدود أفق التفكير -سواء أدرك ذلك أم لا- على مقاربات معينة يحاول قراءة كل شيء عبرها. نتيجة لذلك، لا يرى ذلك الفرد إلا الظواهر المتضمنة في القوالب التي يعهدها. 

قد يكشف الإعجاب باقتباس موراكامي عن رغبة بتمييز الذات عن الغير فعلًا، ولكنه يكشف أيضًا عن فهم مغلوط لدور القارئ الفاعل وعلاقة النص بعملية التفكير. القراءة طالما كانت وستبقى فعلًا يبدأ من الذات. الحالة الوحيدة التي تجعل فكرة موراكامي صحيحة هي أن تصبح ذواتنا نسخًا مطابقة لبعضها البعض.