هناك تخمينان محتملان في ذهن كل من يقرأ كلمة “يومياتية” للوهلة الأولى. التخمين الأول هو أنني أستعير لاسم المدونة نطقًا أحسائيًّا (أو سيهاتيًّا) لمفردة يومياتي. هذا التخمين خاطئ. التخمين الثاني هو أن محتوى المدونة متعلق -حرفيًّا- بيومياتي. هذا التخمين خاطئ هو الآخر، ولكنه يحمل بعضًا من الصواب.

ستختص المدونة بفلسفة الحياة اليومية بشكل رئيسي، بفلسفة الواقع اليومي المعاش بأيٍّ من تفاصيله مهما تناهت في الصغر. هذا الاختيار مبني على فرضية أن الفلسفة تبدأ بالضرورة من الواقع المادي وتنتهي إليه، أي أن كل التصورات والمفاهيم الذهنية تتشكل وفقًا لواقع معين وتحاول تغييره عبر التفاعل معه والاستجابة لمتغيراته. يمكن لأي شيء أن يكون موضوعًا للفلسفة، ولكن الفلسفة ليست موضوع كل شيء. 

استخدمت مفردة “فلسفة” في السطور السابقة دون توضيح معناها. لإيماني بأهمية البدء بتوضيح المفاهيم قبل أي شيء آخر، فالوقت حان لتقديم تعريف مبدئي. لا أزعم أنني سأقدم تعريفًا جديدًا ولا أنني سأطرح ما يلغي بالضرورة غيره من التعاريف. ككل المفاهيم الممتدة تاريخيًا، لا يمكن تعريف الفلسفة دون الإخلال بأحد أو بعض مفاهيمها التي كانت (أو ما زالت) قائمة. لكن بالرغم من ذلك، لا مانع من البدء بتعريف يقدم صورة عامة يمكن البناء عليها. على ضوء هذه الاعتبارات، ستُستخدم الفلسفة في السطور القادمة (وفي كل المنشورات الأخرى) بوصفها منظورًا فكريًا إنسانيًا عن أي من جوانب الوجود.

يشير هذا التعريف إلى ثلاث نقاط رئيسية تحدد ماهية الفلسفة وتميزها عن غيرها من المجالات. أولًا، الفلسفة منظور فكري، أي أنها متعلقة في المقام الأول والأخير بالتصورات والبنى الذهنية التي يكوّنها الفرد. هناك العديد من العلاقات بين التصورات/البنى والواقع، والفلسفة تضع كل ذلك تحت المجهر. ولأنها منظور فردي، فهي بالضرورة لا-موضوعية ولا-عالمية؛ لا توجد فلسفة مستقلة عن الذات وواقعها. ثانيًا، الفلسفة إنسانية، أي أنه يمكن إدراك كل مواضيعها ضمن عالم بشري بحت، مهما بدت تلك المواضيع متسامية أو متعالية. ثالثًا، تتعلق الفلسفة بأحد جوانب الوجود. هذا لا يعني أن الفلسفة دائمًا وجودية بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، ولا أنها تبحث إلا في مفاهيم الوجود وحسب. تعلق الفلسفة بأحد جوانب الوجود يعني أنها تتطرق دائمًا لعلاقة بين الإنسان وأحد جوانب الحياة الناتج عن إدراك وجوده في عالم ما. بعبارة أخرى، يبدأ التفلسف حول أمر ما بمجرد إدراك علاقة ذات بلا-ذات، بحيث يمكن التفلسف في العلاقة وإعادة صياغتها بهدف تغيير جزء من الواقع. 

لهذا المفهوم عدة تبعات. أولاها أن العمل الفلسفي لا يقتصر بالضرورة على الخطاب الحججي/البرهاني الذي يثبت أو يفند دعوى ما. اتخذ التفلسف منذ فجر التاريخ أشكالًا عديدة، ولذا فالأعمال الفلسفية هي الأخرى متعددة الأشكال. بل الحقيقة أن مفهوم العمل الفلسفي الذي ينطلق من كون الفلسفة مجالًا مستقلًا ويقصر خطابها على شكل حججي/برهاني لم يتبلور إلا في فترة متأخرة، مع نشوء العالم الأكاديمي الحديث وما تبعه من بزوغ التخصصات بالمعنى المتعارف عليه في أيامنا تحديدًا. تعريف الفلسفة كما أستخدمه يرفض هذا التحديد، ويعيد للإطار الفلسفي تجلياته التاريخية المختلفة من شعر ومسرح وسرد، كما يضيف إليه الأشكال الحديثة من الأفلام والموسيقى وألعاب الفيديو وغيرها. طالما احتوى عمل ما على تعبير عن أحد جوانب الوجود، يمكن التفلسف حياله.

يبني ثاني التبعات على هذه الفكرة الأخيرة. تمايز المقاربة الفلسفية عن غيرها يكمن في منظورها “الفكري”، في منظورها الذي يعاين طبيعة العلاقات بين التصورات الذهنية المختلفة وما يبنى عليها. هناك إذن فلسفة كامنة في كل شيء، لكن ذلك لا يعني أن كل تعبير، بالضرورة، فلسفي. حين أقول أنني بحاجة إلى كوب من القهوة، فهذا تعبير لا-فلسفي. لكن حين أتخذ من هذا التعبير أساسًا لبحث علاقتي بالقهوة، أو علاقة الحاجة لأن أكون متيقظًا بإنجاز عمل ما، فيمكن وصف هذا البحث بالفلسفي. وفي ذات السياق، قد يُقارب عملٌ ما فلسفيًا دون أن يعبر هذا العمل عن نفسه بكونه فلسفيًا. فمثلما يمكن مقاربة رواية أدبيًا، يمكن مقاربتها تاريخيًا بتناول علاقتها بالظروف التاريخية التي نشأت فيها، ويمكن مقاربتها فلسفيًا بتناول التصورات المتضمنة فيها وطريقة نظرتها للحياة. لا أحاول هنا رسم حد مائز بقدر ما أحاول توضيح الفكرة التي سيبنى عليها محتوى المدونة: فلسفة الحياة اليومية. وكما أسلفت ذكرًا، يمكن لأي شيء أن يكون موضوعًا للفلسفة والتفلسف.

إذا كان هذا الاستعراض الموجز كافيًا لتوضيح الفكرة، فهذا أمر جيد. إذا لم يكن كذلك، فأتمنى أن تحمل المنشورات القادمة ما يجعلها أوضح للجميع. 

ما رأيك بالمنشور؟