مراجعة: التقدم الرأسمالي للوراء

يسهل قول أننا نعيش في عالم رأسمالي، عالم صيغت أسسه وقيمه وفق غايات وأهداف يمكن وصفها في الغالب بمصطلحات السوق. وكلما تأملنا في تفاصيل حياتنا اليومية، ندرك أن تغلغل المنظومة الرأسمالية بلغ حدًا يجعل آثارها وغاياتها تبدو كما لو أنها موجودة منذ الأزل، كما لو أنها طبيعية بكل ما تعنيه الكلمة. كم فردًا منا تساءل ما إذا كان تقسيم الأسبوع لخمسة أيام عمل ويومي عطلة مثلًا أمرًا غير مألوف في العصور السابقة؟ كم منا لا ينتظر بفارغ الصبر انتهاء ساعات العمل كي يعود لممارسة حياته “الشخصية”؟ وكم منا لم ينشأ وهو يحفظ وصايا من قبيل: احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود، باعتبار أن جمع الأموال في ظل المنظومة الرأسمالية ليس كمثيله في الأنظمة التي سبقتها؟

كل هذه التساؤلات مشروعة، وهي دافع لأن نتساءل أيضًا عن الظروف التي جعلت مفاهيم الحياة والعمل والتعليم وكل الجوانب الأخرى بالشكل التي هي عليه في حاضرنا. إذا كانت المنظومة الرأسمالية قد صاغت بالفعل هذه المفاهيم، فلا شك أن من شأن تقصي نشوء هذه المنظومة وتطورها وعلاقتها بالمنظومات السابقة أن يعيننا على فهم حيثيات ظواهر واقعنا، وفهم الواقع شرط في تحسينه. هذا بالضبط ما يحاول إيمانويل والرشتاين فعله في كتابه “الرأسمالية التاريخانية”.

ينطلق إيمانويل من فكرة مفادها أن الرأسمالية، كغيرها من المنظومات، تاريخانية. هذا يعني أنها نشأت نتيجة لظروف مادية معينة في زمن معين، وأنها في كل مراحلها رهينة لواقع ما. قد تبدو هذه الفكرة بديهية، فلا أحد منا يدعي أن الرأسمالية موجودة منذ فجر التاريخ ولا أنها متواجدة في كل العصور (حتى وإن حاول البعض ادعاء أن أسس الرأسمالية لطالما كانت موجودة بصورة أو أخرى). سرعان ما يتبدد هذا التصور حين تتم قراءة الواقع بافتراض هذه التاريخانية، حيث يتحول كل ما هو طبيعي أو فطري إلى لحظة تاريخانية لها نشوؤها وتطورها. يبدأ إيمانويل إعادة قراءة الواقع قائلًا أن ما يميز المنظومة الرأسمالية عن سابقيها أنها جعلت جمع الثروات غاية الحياة المثلى، قبل أن يتطرق إلى تأثير تبعات هذه الغاية في مختلف جوانب الحياة. سأحاول في السطور القادمة تقديم عرض موجز للأفكار التي يتناولها الكاتب.

تسليع كل شيء: إنتاج الرأسمال

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين: الرأسمالية التاريخانية، وهو عبارة عن محاضرات ألقيت في جامعة هاواي، والحضارة الرأسمالية، وهي مقالة طويلة يعقب فيها إيمانويل على بعض نقاط محاضراته في القسم الأول. لن أتطرق في هذه القراءة للقسم الثاني، وسأحاول بقدر المستطاع دمج بعض أهم أفكاره في استعراضي للقسم الأول. يتطرق الكتاب في قسمه الأول إلى أربع محاور أساسية في أربعة فصول. في الفصل الأول، يبني الكاتب على مبدئه حول ما يميز الرأسمالية قائلًا أن النتيجة المنطقية لجمع الثروات هو تسليع كل شيء. إذا كان السوق معيارًا للقيمة، فلا شك أن من الممكن إضفاء قيمة على أي شيء طالما أمكن تسليعه. لا يقتصر هذا الأمر على الحاجيات أو السلع بالمعنى المتعارف إليه، بل يطال عملية الإنتاج بمختلف مراحلها. في الحقيقة، اتخذ تسليع عملية الإنتاج (والتي تشمل القوى العاملة والموارد والمُنتج وما إلى ذلك) شكلًا مغايرًا داخل المنظومة الرأسمالية. فبالإضافة إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الأفراد، أدت محاولة تقليل كلفة الإنتاج بغرض زيادة الأرباح في نهاية المطاف لتقسيم العالم بأجمعه إلى مراكز وأطراف على جميع الأصعدة، إن صح التعبير. اشتمل هذا التقسيم على تكوين علاقة هرمية متمحورة حول امتلاك المال، وعلى إعادة تعريف أدوار أفراد العائلة بما يلائم نشوء طبقة عاملة بمواصفات معينة (وذلك عبر تسليع العمل بحد ذاته)، كما اشتمل أيضًا على إعادة تشكيل المؤسسات الاجتماعية بما يضمن انعتاقها من المنظومات القديمة وتسخيرها وفق غايات جديدة.

سياسة التكديس: الصراع من أجل الغنائم

لعل فصل الكتاب الثاني أهمها، أو هذا ما أعتقده شخصيًا. السؤال الرئيسي الذي يتطرق إليه هذا الفصل هو: ما شكل الحياة السياسية داخل المنظومة الرأسمالية؟ بعبارة أخرى، كيف تتشكل علاقات الناس ببعضهم البعض إذا ما كانت تلك العلاقات محكومة في الأصل بجمع الثروات كغاية حياتية؟ يقر إيمانويل بأن توصيف الحياة السياسية أمر صعب، ولكنه يحاول مقاربة ذلك عبر التركيز على نقطتين أساسيتين: أولًا، تسببت الرأسمالية في تشكيل عالم قطبي، فهناك منتفعون وهناك متضررون. يعزو إيمانويل وجود هذه القطبية إلى عمل المنظومة بحد ذاتها، أي أن هذا التناقض جوهري في تكوين الرأسمالية. بالإضافة لذلك، كانت القطبية سببًا رئيسيًا لاستمرار المنظومة خلال نصف الألفية الماضية، خصوصًا وأن ما غنمه المنتفعون ظل باعثًا للأمل في أنفس من سواهم بأن يحظوا بجزء منه.

يمكن من خلال هذه القطبية تفسير فكرة المراكز والأطراف، وتفسير مفاهيم من قبيل الطبقات الاجتماعية والجندرية والعرقية كذلك. يمكن تلخيص هذه العلاقة المتشابكة عبر الأخذ بعين الاعتبار أن غاية الحياة المثلى داخل المنظومة الرأسمالية هي جمع الأموال. عملية جمع الأموال ممكنة في حالة وجود ربح معين يجنيه الفرد من عملية الإنتاج. زيادة الأرباح مرهونة بتقليل كلفة الإنتاج. وبحكم تعقد عملية الإنتاج، وتعقد العلاقة بين ملاك وسائل الإنتاج ببعضهم البعض (على سبيل المثال، تكمن مصلحتي الشخصية في إقصاء منافسيّ داخل السوق واحتكار قطاع ما، لكن مصلحتنا كطبقة ملاك كامنة في القدرة على تشييد ما يتيح لنا امتلاك وسائل الإنتاج في المقام الأول). يوظف إيمانويل هذه العلاقات المتشابكة والمتناقضة أحيانًا في تتبع تطور الدول كمؤسسات لها كيانها الجغرافي والسياسي الخاص، ومن ثم ينطلق لتفسير تشكل دول المركز والأطراف وطبيعة العلاقات القائمة بينها داخل المنظومة. بشكل عام، تنتفع دول المركز من عمل المنظومة الرأسمالية على حساب دول الأطراف، مما يدفع المركز لفرض ما يضمن استمرارية هذه القطبية. وفي الجزء الأخير من هذا الفصل، يتطرق الكاتب إلى الجماعات الحراكية المختلفة المناهضة للمنظومة الرأسمالية، حيث يحلل نشأتها كردة فعل داخل المنظومة قبل أن يخلص إلى أن جزءًا كبيرًا من فشلها نابع من قبولها أسس وقيم الرأسمالية دون نقدها كما يجب.

الحقيقة كأفيون: المعقولية والعقلنة

ما هي تلك الأسس والقيم التي يجب نقدها؟ وما هي آلية النقد أساسًا؟ يمكن لأي متابع للساحة الثقافية في العالم العربي أن يجد في هذا الفصل ما يثير اهتمامه. تاريخانية الرأسمالية تعني أنها نشأت وفق ظروف مادية معينة في زمن معين. هذا يعني بالضرورة أن الأسس والقيم التي تدعو إليها الرأسمالية جزء لا يتجزأ من استمراريتها كمنظومة قطبية قائمة على تقسيم العالم والمجتمعات بما يضمن عملية إنتاجية ربحية. لم يتخذ هذا التقسيم شكلًا اقتصاديًا وحسب، بل صاحبته آيديولوجيا تهدف لعقلنة ما أفضى إليه التقسيم. يذكر إيمانويل في هذا السياق فكرتين رئيسيتين: الكونية، والعنصرية. تعني الكونية أن هناك حقيقة (أو مجموعة من الحقائق) الموضوعية المستقلة عنا، حيث أقصى ما يمكن لنا فعله هو اكتشافها. يشمل ذلك العلم وقوانين الطبيعة والأخلاق والتقدم والحرية والتنوير وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، سبب تفوق أنظمة معينة ناجم عن أنها تمكنت من اكتشاف سنن كونية بعقلانيتها. وفيما يتعلق بالعنصرية (وهي نتيجة منطقية لمأسسة الكونية)، يمكن تلخيص الفكرة بادعائها أن هناك فوارق “طبيعية” بين البشر. تختلف مسميات هذه الفوارق وسلطتها بحسب اختلاف الظروف المادية التي تؤهل استغلالها كما يجب. تشمل تلك الفوارق العرقية والإثنية والجندرية وحتى الفوارق الثقافية.

لا تبدو هذه الفكرة سهلة الهضم. تعلمنا منذ الصغر أن العلوم تهدف لفهم الطبيعة، أنها تحاول اكتشاف النواميس التي تحكمها. لا يقول إيمانويل أن هاتين الفكرتين مغلوطتان بالضرورة، لكنه يدعو للتأمل في ترعرع العلم داخل النظام الرأسمالي، للتفكر في الأسس التي يحدد على ضوئها ما هو علمي وما هو غير علمي، للبحث في كل البدائل التي قضى العلم عليها لكونها خارج المنظومة التي يحاول تكريسها. يدعونا إيمانويل كذلك للتأمل في الدور المحوري الذي لعبه العلم في مأسسة الرأسمالية وعقلانياتها. قد يتساءل أي منا في جدوى مثل هذه التأملات. أوليس العلم أعظم عطايا المنظومة الرأسمالية للبشرية؟ ألسنا نعيش في ظروف أفضل من أجدادنا، بمستوى معيشي أفضل وبمتوسط عمري أطول؟ أليس كل ما بحاضرنا برهان على نجاح العلم والمنهج العلمي؟

لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة مباشرة. فكما قامت الرأسمالية على أنقاض منظومات سابقة واستمدت منها ما يمكن تسخيره لأجلها، تمتزج الإجابة على هذه الأسئلة بمفاهيم متشابكة بما لا يسمح باختزالها على الإطلاق. وبالرغم من ذلك، يحاول إيمانويل القيام بذلك فيما تبقى من الكتاب.

الاستنتاج: في التقدم والانتقاليات

إذا كنا نعتقد بأننا “متقدمون” على أسلافنا، وبأننا ما نزال في عملية التقدم هذه، فإيمانويل يدعونا للتساؤل حول معنى التقدم. هل التقدم مرهون بالمستوى المعيشي الأفضل؟ ماذا عن غالبية البشر الذين يعيشون في ظروف أسوأ حتمًا من سابقيهم نتيجة لقطبية الرأسمالية؟ هل هو مرهون بالقضاء على الأمراض بحيث صارت حياة الأفراد أطول؟ ماذا عن الأمراض النفسية والعقلية الناتجة عن اغتراب الفرد داخل المنظومة؟

يطرح إيمانويل العديد من التساؤلات الشبيهة، ويعلق عليها بشكل شبيه أيضًا. المراد من كل ذلك إعادة التفكير فيما قد يكون بديهيًا في عصرنا. ليس من السهل تتبع كل الظواهر للحظة نشوئها، وليس من السهل أيضًا تحديد نقاط التحول التي جعلت الرأسمالية بالقوة التي عليها الآن. لكن مجرد إدراك تغلغل أسس المنظومة وقيمها في تشكيل رؤانا عما يفترض أن تكون الحياة عليه عاملٌ مساعد للانطلاق في نقد الواقع. ما نعتبره تقدمًا مبني على معايير تشكلت داخل المنظومة الرأسمالية، وما نعتبره رجعية وتخلفًا مرتبط هو الآخر بالتحولات في أنماط الإنتاج. من الضروري إذن لنقد المنظومة الرأسمالية لا نقد الفرق في توزيع الثروات ولا المشاركة في السلطة السياسية وحسب، بل نقد المفاهيم والغايات التي أسهمت في استمرار الرأسمالية وتشكّلها كما هي عليه اليوم. ولأن التغيير جزء من النقد، فلا بد أن يستتبع نقد الواقع نقد ذواتنا وأطرنا الفكرية التي نشأت داخل هذه المنظومة. حتى وإن بدا الفرد عاجزًا عن التغيير (يتطرق إيمانويل للفردانية وتناقضاتها أيضًا!)، لا يمكن التقليل من قيمة الوعي بالقوى المحيطة به. وشخصيًا، أجد الكتاب مثريًا كمقدمة قصيرة لإدراك ما يتعلق بتطورات الرأسمالية في تاريخانيتها.