مراجعة: من جاء أولًا، التاريخ أم السياسة؟

قد لا يكون من الصعب التكهن بمحتوى الكتاب أو أفكاره الرئيسية من خلال عنوانيه الرئيسي والفرعي “من يملك التاريخ؟: إعادة التفكير في الماضي بعالم متغير”. يبدو ظاهرًا أن الكتاب يتناول علاقتنا بالماضي وكيفية إعادة تفسيره وفق معطيات العصر الحديث. هذا التخمين صحيح. لكن الحقيقة إن إغفال العلاقة الجوهرية بين الماضي والحاضر أثناء قراءة مقالات الكتاب التسعة قد يؤدي إلى قراءة الكتاب بوصفه استعراضًا لبعض المشاكل في عملية التأريخ وما ينتج عنها. بعبارة أخرى، عوض قراءتها كجزء من فلسفة تاريخية أكبر، تصبح المقالات مجرد سرد للتجاذبات التاريخية حول ظاهرة ما. ولأن إريك فونر يشدد على تجاوز هذه الفكرة، فهو يشدد في كل مقال على جوهرية العلاقة بين الماضي والحاضر. هذه العلاقة مبنية على أسس يتطرق الكاتب لبعضها في مقدمة الكتاب والمقالين الأوليين، ولذا لا بد من وضع هذه الأسس بعين الاعتبار من أجل فهم الكتاب بشكل أفضل.

يتطرق الأساس الأهم لحقيقة أن الماضي دائمًا حاضر بشكل أو بآخر. لا يعني ذلك أن حاضرنا نتيجة لماضٍ ما وحسب، بل أن مفاهيمنا المعاصرة هي الأخرى نتيجة لتصادمات وتجاذبات عملية تاريخية معقدة. أيّ سؤال حول الماضي يفترض ضمنًا سرديةً تاريخية معينة، ولذا لا بد من محاولة استكشاف السرديات الأخرى الكامنة فيما لا يتطرق إليه ذلك السؤال من أجل فهم أشمل للتشابكات التي كانت وما تزال تحكم الماضي وتصورنا عنه.  

أما الأساس الثاني فهو أن كل سردية تاريخية -في جوهرها- سياسية. لا يتطرق الكاتب لمفهوم السياسة الذي يتبناه، ولكن يمكن القول أنه عبارة عن شبكة العلاقات والمصالح القائمة بين الجماعات المختلفة. على ضوء هذا التعريف المبدئي، تتجلى علاقة عنوان الكتاب بهذا الأساس تحديدًا؛ كل جماعة تحاول تقديم سردية تاريخية وإلغاء السرديات الأخرى. صعود أي جماعة للسلطة -سواء كانت هذه السلطة سياسية بحتة أم لا- متبوع بعملية إعادة قراءة للتاريخ. بالإضافة لذلك، بما أن امتلاك جماعة جديدة للسلطة يعني بالضرورة حاجتها لتشكيل هوية جديدة، فإن عملية التشكيل هذه مبنية على الاعتبارات التاريخية التي يمكن توظيفها في رسم خارطة القواسم المشتركة بين المتبنين للهوية. يعني تشكيل الهوية أيضًا هدم سرديات أخرى، مما يتطلب التنقيب عن تواريخ وطمس أخرى. يستخدم الكاتب هاتين الفكرتين تحديدًا لاستكشاف بعض الأبعاد التي تعقد من السرديات التاريخية المعاصرة.

الأساس الثالث والأخير ينتج عما قبله، وهو متعلق بالانتقائية التي لا مفر منها. كل تأريخ انتقائي، وكل محاولة لتأريخ أمر ما انتقائية ومحدودة بالضرورة. مهما كان مدى انتشار الظاهرة المؤرخة، فاختيار الموضوع وزوايا مقاربته ونقاط التحول فيه كلها تحدّ منه. وفيما لا يتتبع الكاتب هذا الأساس لأحد الاستنتاجات المنطقية المبنية عليه، يمكن تقمص دوره وصياغة الاستنتاج كالتالي: قراءة التاريخ تتطلب عملية مزدوجة من الغوص في التفاصيل ومن ثم وضعها في سياقات أكبر، عملية مزدوجة من التقريب والتبعيد. على ضوء ذلك، يصبح تعقيد ظاهرة تاريخية عالمية ما مرهونًا بمقدار التفاصيل الداخلة في فهمها والمجالات التي تنتمي تلك التفاصيل إليها.

يمكن الآن العودة للكتاب نفسه. ينقسم الكتاب لثلاثة أجزاء رئيسية: سياسيّة التاريخ والمؤرخين، وإعادة التفكير في الماضي بعالم متغير، والحرب الأهلية الباقية. يتكون القسم الأول من مقالين. المقال الأول متمحور حول سيرة الكاتب الوظيفية إن صح التعبير، حيث يستكشف الأبعاد السياسية المعاصرة له والتي شكلت وعيه التاريخي وميله لتأريخ حقب أو أفكار معينة دون أخرى. من خلال استعراضه للتحولات الفكرية وجذورها في الواقع، يخلص للاستنتاج باستحالة أي موضوعية تاريخية؛ تتشكل كل سردية وفق عمليات تصادم معاصرة، ولذا فإن الإطار التاريخي للماضي وتفاصيله محكومان دائمًا بتجارب ذاتية لا يمكن إهمالها. لا يختلف المقال الثاني عن الأول إلا في الشخصية المتناولة تقريبًا. فبدل الحديث عن سيرته الوظيفية الذاتية، يحلل الكاتب سيرة مرشده الأكاديمي ريتشارد هوفستاتر والأحداث التي غيرت في توجهه التأريخي. 

يمكن القول أن قسم الكتاب الثاني -والمتكون من أربع مقالات- يتطرق لأهم الأسس والمحاور التي استعرضها الكاتب فيما سبق. فالمقالة الأولى المعنونة بـ “الحرية الأمريكية في عصر عولمي” تبيّن ارتباط مفهوم الحرية في أمريكا بالأحداث العالمية المختلفة. فعلى سبيل المثال، تكوّن أحد مفاهيم الحرية في بداية نشوء الدولة عبر ارتباطه بالاستقلال من الهيمنة البريطانية، حيث حمل المفهوم عداء للسلطة المتزايدة للحكومة أو أي نوع من القيود المفروضة من نظام سياسي (لم يكن في أذهان “البيض” وقتها أي تناقض بين حريتهم والعبودية كمؤسسة قائمة بالفعل). لم يظل هذا المفهوم على حاله بالطبع، إذ تأثر بعد ذلك بالحرب الأهلية وبعدها بالحربين العالميتين ثم الحرب الباردة (يذكر الكاتب هذه المواقف على سبيل المثال لا الحصر). الغاية من ذلك تبيان أن مفهوم الحرية كما هو قائم حاليًا مجرد تعبير عن مفهوم جماعة معينة أولًا، وأن محاولة تتبع مفهوم تاريخي تستلزم وضعه في سياقه الاجتماعي/الاقتصادي/السياسي المناسب ثانيًا. لا يمكن فهم الحرية اليوم دون فهم الدرب الذي سلكته قبل أن تصل.

يتطرق المقالان الثاني والثالث في هذا القسم لمشاهدات الكاتب الشخصية أثناء تواجده في الاتحاد السوفيتي وجنوب أفريقيا في خضم عمليات إعادة كتاب وتنقيح التاريخ بما يتوافق مع رؤى الأنظمة السياسية القائمة آنذاك. لم تكن هذه العمليات “تزويرية” بالمعنى الحرفي للكلمة، كما أنها لم تكن بالضرورة اختلاقًا لما لا وجود له. بل يمكن القول أنها عمليات تأريخ (أو تشكيل سردية تاريخية) انتقائية واعية، أي أنها تتعمد التركيز على حوادث معينة وربطها في سياق حتمي يبرر الوضع الراهن ويسعى لتأصيله في ذات الوقت الذي تسعى فيه لتهميش السردية التي تسبقها.

أما المقال الرابع، والمعنون بتساؤل “لماذا لا توجد اشتراكية في الولايات المتحدة الأمريكية؟”، فيمكن القول أنه يهدف إلى بحث العلاقة بين الظروف التاريخية ونشوء الحركات السياسية من منظور عالمي. بحسب رأي الكاتب، يتضمن السؤال حول غياب الاشتراكية في أمريكا افتراضًا بأن الفكر الاشتراكي نتيجة حتمية للنظام الرأسمالي، بمعنى أنه حيثما تواجدت الرأسمالية فلا بد من تواجد الاشتراكية معها. هذا الافتراض مبني على تتبع الحراك الاشتراكي الأوروبي ومقارنة ظروف نشأته بنظيره في أمريكا، إذ يتم غالبًا بحث مواضيع من قبيل الوعي الطبقي وعلاقة البرجوازية بالبروليتارية أو حتى النظام السياسي على ضوء نقاط التشابه والاختلاف بين الطرفين. في هذا السياق، يشدد الكاتب على أهمية الحذر في مثل هذه المقاربة، مشيرًا إلى مغالطة الانطلاق من تحليل يفترض ضمنًا ما ليس صحيحًا، أو ما لا يمكن البناء عليه. كل ظاهرة (أو حراك) له ظروفه التي يجب تناولها وتحليلها في سياقاتها، وعولمة الظاهرة كما لو أنها تتواجد بمعزل عن الواقع لن يؤدي إلا لقراءات مغلوطة.

وفيما لا يتطرق القسم الثالث من الكتاب إلى أي ثيمات أو أسس جديدة تقريبًا، يمكن اعتباره إعادة قراءة لثلاثة نقاط تحول مهمة في التاريخ الأمريكي. ففي القسم المكون من ثلاث مقالات، يتطرق الكاتب إلى التحولات التاريخية في مفهوم الجنسية الأمريكية أولًا، وعلاقة السود بالدستور الأمريكي ثانيًا، وخطورة تبني سردية رومانسية (كالتي تبناها المخرج كين برنز) عن الحرب الأهلية الأمريكية. في كل من المقالات الثلاثة، ينطلق الكاتب من حدث (أو مجموعة أحداث) معاصرة بالمشهد الأمريكي ليحلل بعض جذورها التاريخية. في الآن ذاته، يشير الكاتب إلى الارتباط الوثيق بين المفاهيم والصراعات السياسية عبر الزمن، مبينًا أن الإطار الفكري الذي تُبحث المفاهيم عبره ليس الإطار الممكن الوحيد، ومشددًا أيضًا على تاريخانية كل مرحلة.

لا أظن أن إرجاء نقد المشهد الأمريكي إلى الجزء الأخير من الكتاب محض صدفة أو ما أشبه، بل هو محاولة متعمدة لترتيب الكتاب بشكل متسلسل منطقي يمكّن الكاتب من تقديم قراءته النقدية لواقعه بوصفه جزءًا من عملية إعادة قراءة الماضي. فالجانب التنظيري بالجزء الأول من الكتاب -خصوصًا في بحثه بالعلاقة بين التاريخ والسياسة- يؤسس للإطار الذي يجعل من بقية الكتاب ذات معنى. أما الجزء الثاني فهو تأريخ مقارن يتناول تجليات عملية إعادة قراءة التاريخ في مناطق مختلفة من العالم. يمكن للقارئ من خلال هذا الجزء ملاحظة الصراعات بين ثيمات من قبيل العرق والعولمة والإمبريالية في تشكيل السرديات التاريخية. يتمحور الجزء الثالث من الكتاب حول حيثيات مرتبطة بمجتمع الكاتب رأسًا، إذ يوظف الأفكار المختلفة التي تناولها في الجزئين الأوليين للبرهنة على أن الخصوصية الأمريكية مجرد وهمٍ سياسي يخدم قوى سياسية معينة على حساب أخرى، وللبرهنة على أن دور المؤرخ في تعقيد التأريخ (وبالتالي تعقيد الحاضر) أمر لا يستغنى عنه في الحياة العامة.