مراجعة: النفاق الفلسفيّ بوصفه مدخلًا للأعمال الكلاسيكية

ليس من النادر أن أقرأ كتابًا كنت أؤجله فترة من الزمن فأكتشف إنه أحد الكتب التي أتمنى لو وقعت عليها قبل سنين. يبدو حينها كتابًا منشودًا، كتابًا يجيب على كل الأسئلة التي تدور بمخيلتي. لكن معضلةً معينة تقابل هذه الأمنية: لو قرأته في السابق لما كنت قد أدركته لهذا الحد، ولعلي لم أكن لأقدّره حق تقديره كما أعتقد أنني أفعل الآن.

أزعم أن كتاب آرثر ميلزر المعنون بـ “الفلسفة ما بين السطور: التاريخ المفقود للكتابة الباطنية” أحد هذه الكتب، أو هكذا بدا بالنسبة لي. كما يشير العنوان، يتطرق ميلزر إلى ما يسميه الكتابة الفلسفية الباطنية، وهي الفلسفة التي تتوارى بشكل عام وراء ظاهر النص المكتوب. تتعدد أسباب ودوافع هذا النوع من الكتابة، لكن يمكن القول أنه دائمًا ما يُبنى على طرحٍ مزدوج. يوظف الفيلسوف مختلف الأساليب والأدوات لطرح أفكاره وآرائه الحقيقة بشكل خفيّ لا يتوصل إليه إلا القارئ الجاد والسائر على درب التفلسف، إذ أن هذا القارئ هو القادر على تمييز ظاهر النص من باطنه. فكل الكتب صماء، وظاهر النص يقول الشيء ذاته لجميع الناس. إذن، لتخصيص فئةٍ معينةٍ بالخطاب الفلسفي، لا بد من مواراته خلف السطور. ولئلا يستهجن القارئ هذا المبدأ النخبوي بتخصيص الفلسفة لفئة معينة، فلا بد من ذكر أمرين: أولًا، تُبنى هذه النخبوية على فكرة أن الفلسفة غير قابلة للتعليم، بل هي أمر لا بد أن ينبع من الذات. ثانيًا، التباين بين طبقات المجتمع المختلفة تاريخيًا كان أكبر مما يمكن أن نتصوره بمفاهيمنا الحديثة؛ فمن الممكن أن يكون لكل فئة أرستقراطية عاداتهم وقيمهم الخاصة التي لا تشاركهم فيها الطبقات الأرستقراطية الأخرى. 

يقول ميلزر أن الكتابة الفلسفية الباطنية ظلت متواجدةً بشكلٍ جليٍّ حتى بدايات ما يسمى بالعصر الحديث في تاريخ الفلسفة الغربية، إذ بعدها حدث تحوّلٌ في مفهوم الفلسفة وعلاقتها المجتمع فباتت الكتابة الباطنية (وبذلك القراءة الباطنية أيضًا) منسيّة. ولذا، لفهم الفلسفة الكلاسيكية، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار جوهرها المختلف عن فلسفتنا.

قبل التفصل في محتوى الكتاب، أجد نفسي ملزمًا لاستعراض الأسباب التي دفعتني لقراءة الكتاب والكتابة عنه، ولو بشكل وجيز. لطالما وجدتني مهتمًا بالفلسفة. وكأي مهتم بها، لم أكن أعلم من أين أبدأ. لا أزعم أنني توصلت إلى جواب قطعي حيال البدء بنصوص دون أخرى، ولكن أظنني كوّنت بعض الأسس أو القواعد التي أحاول ألا أحيل عنها. فعلى سبيل المثال، أؤمن بضرورة قراءة الفلسفة من منابعها؛ إذا أردت فهم فلسفة أو فيلسوف ما، فسأسعى أن أتوجه لأمهات الكتب مباشرة. ما كوّن هذه القاعدة لدي هو أنني كلما قرأت لفيلسوفٍ ما، وجدتني غالبًا أفهم طرحه بشكل مختلف عما كنت قد قرأت عنه. تكَرُّر هذا الشيء مع عدة فلاسفةٍ دفعني في نهاية المطاف لتجنب أي استنتاجات مسبقةٍ تحكم قراءتي للنص.

بالإضافة لذلك، كنت منهمكًا في التأمل حول علاقة الفلسفة بغيرها من المجالات، وهو التقسيم الذي صرت أرى اعتباطيته كضرر لا بد لي من تجاوزه. في هذا السياق، يتطلب الإلمام بالفلسفة إلمامًا بغيرها؛ مهما اتسع فضاء الفلسفة، لا يمكن عزلها عن غيرها من المجالات (كما أنه لا يمكن عزل بقية المجالات عنها). 

يتطرق كتاب ميلزر لهذه الأفكار وغيرها في طرح يحاول تفسيرها ضمن إطار متسق. فبعد تقديم فكرة مبدئية في مقدمة الكتاب عن الكتابة والقراءة الباطنيتين، يقسم مليزر الكتاب لثلاثة أجزاء رئيسية لشرح علاقة الفلسفة الباطنية بظواهر من قبيل التحول في مفهوم الفلسفة بين العصر الحديث والعصور الكلاسيكية، وعلاقة الفلسفة بالمجتمع، والأشكال التاريخية المختلفة للفلسفة الباطنية، بالإضافة لاستعراض الأضرار الناتجة عن إهمال القراءة الباطنية المتأنية للنصوص الفلسفية. فالجزء الأول مثلًا يحاول إثبات وجود فكرة الفلسفة الباطنية كجزء لا يتجزأ من الفلسفة والتأريخ الفكري بشكل عام، حيث يستعرض ميلزر أدلة وجودها منذ فجر التاريخ حتى بدايات العصر الحديث، كما يناقش أهميتها بالنسبة لمختلف الفلاسفة. أما الجزء الثاني فيتطرق للأشكال التاريخية المختلفة للفلسفة الباطنية، وهي مرتبطة رأسًا بالأسباب والدوافع التي أوجدتها في المقام الأول. هناك أولًا الباطنية الحمائية، إن صح التعبير، وهي التي تنطلق من فكرة أن الفلسفة ضارة بالمجتمع، وعليه فإن حماية المجتمع تقتضي مواراة الفلسفة أو إبقاءها بعيدًا عن أعين العامة. هناك أيضًا الباطنية الدفاعية، وهي تنطلق من مبدأ أن على الفيلسوف دفع الضرر الناتج عن محاكمة السلطات والمجتمع لأفكاره الفلسفية، مما يعني ضرورة صياغتها بشكل لا يتسبب بالهجوم على ذات الفيلسوف. ثالثًا، هناك الباطنية التعليمية، وهي التي تتعلق بالغاية من الكتابة الفلسفية في المقام الأول (باعتبار أنها قد تتسبب بالضرر للمجتمع أو الفيلسوف). على ضوء الباطنية التعليمية، ترتكز ضرورة الكتابة الباطنية على تمييز الفلاسفة المحتملين من غيرهم من الناس عبر مواراة الجوهر الفلسفي خلف ظاهر لا يثير إشكال العامة. أما الشكل الرابع والأخير فهو الباطنية السياسية، وهو مبنيّ على أساس التوظيف السياسي للفلسفة بغرض إحداث تغيير في المجتمع.

من الضروري الإشارة هنا إلى أحد التقسيمات الرئيسية في طرح ميلزر. ما يميز الفلسفة الحديثة عن الكلاسيكية بالنسبة إليه هو الاختلاف الجذري في علاقة الفلسفة بالمجتمع. ففيما تلعب الفلسفة في عصرنا دورًا رئيسيًا في عقلنة المجتمع والتحسين من جودة الحياة ككل، كانت عبر التاريخ في شقاق تام مع الحياة الاجتماعية. بعبارة أخرى، جوهر الحياة الفلسفية منافٍ للحياة الاجتماعية. يشير ميلزر إلى ارتكاز الباطنية الدفاعية والحمائية والتعليمية على أنه من غير الممكن التوفيق بين الحياة الفلسفية والحياة الاجتماعية؛ لطالما وقفت حياة التأمل والنزعة لتجاوز الأوهام الحياتيّة ضد الحياة العملية التي تستلزم بعض الأسس والأوهام لتعمل كما يجب.

على ضوء هذا التمييز، يقول ميلزر أن الأشكال الثلاثة الأولى للفلسفة الباطنية قد تواجدت في العصور الكلاسيكية بشكل رئيسي. أما الشكل الرابع، وهو الباطنية السياسية، فوجوده مقتصرٌ على العصر الحديث. فبحسبما يطرح ميلزر، يُبنى هذا الشكل على إمكانية الارتقاء بالمجتمع ككل عن طريق نشر الفلسفة وما إلى ذلك؛ تتواجد الحياتان الفلسفية والاجتماعية في وفاق تام، وكلٌّ يستعين بالآخر.

يتطرق ميلزر بطبيعة الحال للصراعات التي جرت بين الفلسفة والدين مثلًا (أو العقل والوحي) وغيرها من الصراعات الرئيسية في عصر التنوير وما تلاه، سوى أنه يقلل بطريقة غير مباشرة من الخلاف بين تلك التيارات بحكم أنها تنطلق من نظرة توفيقية على الأغلب. بعبارة أخرى، برغم الشقاق الظاهر بين التيارات المتقابلة إلا أنها تمتلك الجذر نفسه، واختلافها يكمن فيمن يعتلي الآخر وحسب. 

بالإضافة لذلك، يستعرض ميلزر شكل مفصل الإشكاليات التي تطرحها كل من الفلسفتان الأصولية والتاريخانية، مشيرًا في الآن نفسه لضرورة تجاوزهما عبر إعادة الحياة للقراءة الباطنية للفلسفة. ولعل نقده للتاريخانية هو الأشد من بين الاثنين، إذ أنه يرى خطر توغل النسبوية الثقافية والرفض المطلق لأي خطاب متسامٍ على جوهر الفلسفة كما تواجد في العصور السابقة. فبما أن التاريخانية نشأت كردة فعل على فلسفة الحداثة ومنطلقاتها التي تأسست في عصر التنوير، يشدد الكاتب على أهمية العودة بمفهوم الفلسفة لما قبل عصر التنوير، متبنيًا وجهة نظر المفكر السياسي ليو شتراوس.لا شك وأن تناول كل نقاطه على حدة يتطلب سطورًا عديدة، وهذا ما لا أريد القيام به هنا. ما أظنه جديرًا بالإشارة في الختام هو أن الكتاب يستهدف بشكل رئيسي الجمهور الغربي. هذا الاستهداف مبني على افتراض الكاتب أن الظروف التاريخية للمجتمعات الغربية (وخصوصًا الدول الديموقراطية-الليبرالية) جعلتها تنزع إلى تهميش الكتابة الفلسفة الباطنية بوصفها نخبوية، مستبدلًا إياها بفلسفة اجتماعية تحاول مخاطبة الجميع وإعطائهم حرية التعبير من أجل الارتقاء بالمجتمع ككل. هذا لا يعني أنها لا تتواجد في عصرنا، بل أؤمن أن الكاتب نفسه يتناول هذا الأمور باطنيًا. ففحوى طرحه في هذا الأمر يشير إلى أن الكتابة الباطنية تتواجد طالما شعرت جماعة ما بأنها مضطهدة (وهذا موجود في كل مكان وزمان).