مراجعة: تاريخٌ خيالي أم حقيقة تافهة؟

تحتوي هذه النسخة على كتابين قصيرين: التاريخ الحقيقي، والحمار.

يحكي الكتاب الأول حكاية رحلةٍ خياليّةٍ قام بها لوشيان. يفتتح الكاتب بمقارنةٍ بين حاجة الرياضيّ للراحة كي يتقوى على ممارسة رياضته، وحاجة المفكر للراحة كي يتقوى على إعمال فكره. يهدف لوشيان أن يكون كتابه أحد الكتب التي يُستعان بها وقت الراحة (دون أن يعني ذلك أنه بلا فائدةٍ طبعًا)، خصوصًا وأنه يتقصد التندر على “حقائق تاريخية” ذكرها المؤرخون أو المفكرون أو الشعراء. وبالإضافة لذلك، يقر لوشيان من البداية أنه لا يعتزم كتابة تاريخ حقيقي بأي شكل من الأشكال، مما يعني أن على القارئ ألا يصدق أي شيء مما يقرؤه. 

لهذا التبرؤ من الحقيقة أغراضه، فلوشيان لا يُلزم نفسه بأي شيء حتى وإن تعرض لشخوص تاريخية حقيقية (وهو الشيء الذي يقوم به فعلًا). فالهدف كما يبدو هو التندر، ولكنه تندرٌ مغرّض إن صح التعبير. فعلى سبيل المثال، حين يصل لوشيان وأصدقاؤه للجزيرة الفردوسية، يجد هوميروس هناك. ولكنه حين يذهب لجزيرة السجن، ينقل أن هيرودوتوس موجودٌ هناك عقابًا له على كتابته تاريخًا غير حقيقي. في هذا السياق، يبرئ لوشيان هوميروس من كتابة تاريخ مكذوب في أوديسته أو إلياذته، كما يثير التساؤل حول السبب الذي يجعل الكاتب نفسه يذهب للفردوس برغم أنه يقر بكتابة تاريخٍ غير حقيقي! 

وبالإضافة لذلك، يبدو تفسير الظواهر الطبيعية المختلفة عبر أحداث خياليّة أمرًا مثيرًا للاهتمام (البَرَد مثلًا ناتجٌ عن تساقط ثمرات عنبٍ ثلجيٍّ من إحدى الجزر في السماء). لا أدري ما إذا كان هذا الأمر سخريةً على التفاسير المعاصرة له، أي أنها وسيلة لوشيان للتهكم على الطريقة التي يفسر فيها معاصروه تلك الظواهر، ولكنها حتمًا تستحق الاهتمام.

لستُ ضليعًا في الأدب الإغريقي بما يكفي لأفهم كل التلميحات والإشارات التي أوردها لوشيان للأسف، ولذا لا أستطيع التعليق على ما يتعلق بها. يكفي ذكر أنه مطلعٌ على ما يبدو على فلسفات سقراط وأفلاطون وفيثاغورس، وأنه عالمٌ بالعلاقة بين المدارس المختلفة.

أما الكتاب الثاني فهو معنونٌ بـ “الحمار”. يحكي الكتاب قصة رجلٍ اسمه لوشيوس (وحسبما يذكر مترجم الكتاب، كان لوشيان يستخدم لشخصياته بعض الأسماء الشبيهة لاسمه لتكون متحدثة بالنيابة عنه دون أن يلزم نفسه بما تقوله تلك الشخصيات) ومغامرته بعد أن تحول عن طريق الخطأ إلى حمار. فبعدما اكتشف أن زوجة مضيفه ساحرة، قام بإنشاء علاقة مع خادمتها ليتمكن من مشاهدة السحر بأم عينيه. وحين حدث له ذلك ورأى زوجة مضيفه تستحيل طيرًا، طلب من الخادمة أن تجلب له القنينة التي استخدمتها سيّدتها. لم تتنبه الخادمة لاختيارها القنينة الخطأ إلا حين دهن لوشيوس جسده وصار حمارًا، وعندها بدأت مغامرته في استخدامه للنقل والسرقة وما إلى ذلك.

يشير المترجم إلى العنف ضد الحيوانات كثيمةٍ رئيسيةٍ في الكتاب، ويبدو كلامه إلى حد كبير مقنعًا. ولكن بالرغم من ذلك، أجد الكتاب يطرح تساؤلين بطريقة غير مباشرة: أولًا، ماذا لو كانت الحيوانات تفكر مثلنا بالفعل دون أن تمتلك القدرة على التعبير عن أفكارها؟ وثانيًا، ما هو حد العجب في فعلٍ يصدر عن حيوانٍ مقابل صدوره عن إنسان؟ 

لا يطرح الكتاب أي إجاباتٍ ولا أزعم أنني أمتلك أي فكرةٍ عنها، ولكنها مجرد أفكارٍ راودتني أثناء القراءة.