مسج الغفران: عن عَصْرَنةِ نصّ المعرّي

مذ أعلنت دار ممدوح عدوان نشرَها صياغةً معاصرةً لرسالة الغفران وتويتر يضج بردود الأفعال المتباينة. هناك من اعتبر الأمر خطوةً محمودةً باتجاه تجسير الفجوةِ بين التراث العربيّ وثقافتنا الحاضرة، إذ سيصبح العملُ متاحًا وفق لغةٍ معاصرةٍ يمكنُ لشريحةٍ أكبر من الناس إدراكُ مضامينها. وعلى الجانب الآخر، هناك من استنكرَ الأمر برمته من بابِ أن إعادة صياغة العملِ خطوةٌ غير ضرورية، فالفجوةُ بين لغة التراث ولغتنا المعاصرةِ ليستْ بالقدر الذي يتطلبُ أكثر من الشروح وما أشبه.

هناكَ طبعًا وجهات نظرٍ أخرى، كمن يعارضُ عصرنة النصّ بوصفها حاجزًا يحول بين القارئ وأدبيّة النص، أو من يعارضها بحجّةِ أنها انتكاسةٌ تصبّ بمصلحة لغةٍ بعيدةٍ كل البعد عن العصور الذهبية ونقاوة اللغة العربية. وبالإضافة لذلك، هناكَ من يؤيد إعادةَ الصياغة لأنها جزءٌ من مسؤوليتنا في قراءة –أو بالأحرى، إعادة قراءة- الأعمال الكلاسيكيّة على ضوء آخر التطوّرات في النظريات اللسانية والنقدية وغيرها.

لا يمكن بالطبع حصرُ كل الآراء ولا وضعُها في تأييدٍ أو معارضةٍ كليين، فلكل رأيٍ مهما كانَ فردانيّته. لكن البحث عن القواسم المشتركة –إن وُجِدتْ- بين تلك الآراء أمرٌ ممكنٌ جدًا. فليس من الصعب مثلًا إدراكُ محورية اللغة؛ تشتركُ كل وجهات النظر أعلاه في اعتبار اللغة أولويةً لا يمكن تجاهلها، فالمساسُ بها ليس مجرد تفضيلٍ شخصيّ. وبالإضافة لذلك، يمكن تمييز افتراضاتٍ مبطنةٍ عن طبيعة العلاقةِ بين التراث والحاضر في كل الآراء المطروحة، إذ يبدو أن بعضها ينطلقُ من رؤيةٍ صونيّة، إن صح التعبير، فيما تنطلق أخرى من مبدأ تجسيريّ. 

أميلُ شخصيًا لكفّةِ المعارضين. لا أعتقدُ أن إعادة صياغة رسالة الغفران (أو أي عملٍ تراثي عربي) مثمرةٌ بقدر التطلُّعات، بل قد تؤتي عكس ما هو مرجوٌّ منها تمامًا. فبدل “تعزيز حضورها لدى القارئ العربي المعاصر” ، قد تتسبّب إعادة صياغة العمل في تعزيز الانفصال الفكري وتوسيع الفجوةِ بيننا والتراث، وهما غايتان يُرجى من عصرنة النص تحقيقهما أساسًا. لتوضيح وجهة نظري أكثر، سأحاول في السطور اللاحقة تبيان بعض الافتراضات المتضمنة في عملية إعادة صياغة النصوص التراثية. سأتطرق لثلاث نقاطٍ رئيسية: معنى إعادة الصياغة، وعلاقتنا بالتراث، وإشكاليّة العصرنة. ويلزم التنويه على أن النقاط التي سأتناولها ليست حصرًا على عصرنة رسالة الغفران وحدها، بل تشتمل على تساؤلاتٍ حول إشكالية عصرنة التراث بشكلٍ عام. 

قبل البحث في تفاصيل تلك النقاط، من الضروري التعريج على ما تضمنتهُ منشورات الدار على تويتر. حسبما تقول التغريدة الأولى، تهدف عصرنة رسالة الغفران إلى تجسير الهوة بين القارئ والتراث القديم، إذ تقفُ لغة النص -سواءً بمفرداتها أو تراكيبها- حاجزًا أمام عملية الفهم. وعقب الجدل الذي أثارته عصرنة الرسالة، نشرت الدار تصريحًا إضافيًّا لرفع اللبس؛ لا يهدفُ النصّ المحدث لاستبدال النص الأصلي، بل لإثارةِ فضول القارئ وتحفيزه لقراءته. وبالإضافة لذلك، ليست عصرنةُ رسالة الغفران فريدةً من نوعها، بل تشابه مثيلاتها اللاتي أُجرينَ على الأعمال الكلاسيكية العالمية من إعادة صياغة أو تلخيص، فلطالما كان المُراد النهائي إحياءها أو إبقاءها حية لدى القراء.

لا تبدو هذه الأفكار مغلوطة نظريًا، ولو حققت عصرنة النص أهدافها المرجوّة حقًا لكُنّا أمام مشروعٍ واعد. ولكن الاصطدام بالواقع دائمًا ما يُحطّم الآمال العالية ويكشفُ مثاليّة الافتراضات المتضمنة ابتداءً. ففيما يبدو مصطلح “إعادة صياغة” بريئًا ومُحايدًا، يحتوي في الحقيقة على عمليتي تفسيرٍ وتأويلٍ لظاهر النص وباطنه. هل يمكن مثلًا استبدال مفردةٍ بأخرى دون أن إدراك معناها ضمن سياق الجملة وخارجه؟ بعبارةٍ أخرى، هل يمكن عزلُ النص بوصفه نصًا عن وجود فاعلٍ طَوّعَ اللغةَ بشكلٍ محدد؟

إعادة الصياغة قراءةٌ 

أجيبُ شخصيًا على السؤالين بِلا. كل عملية عصرنةٍ تقتضي في الآن نفسه تفسيرًا وتأويلًا معينين. لا يُمكن إغفال حقيقةِ أنّ المُعصْرِنَ يواجه ذات الصعوبات التي يواجهها المترجمون في التوفيقِ مثلًا بين ظاهر النص وروحه، إن صح التعبير، أي بين اللغة العامّة وتوظيف الكاتب الشخصيّ لها. بعبارةٍ أخرى، هل لنا أن نفترض أن الأسلوب والتراكيب “البائدة” بحد ذاتها مما يمكن عزله عن جوهر العمل ككل؟

ولا تقتصر مضامين إعادة الصياغة على هذا الأمر، بل يواجه المعصرن تساؤلاتٍ عديدةٍ حول ما إذا كان استبدال مفردةٍ أو تركيبةٍ ما مخلًا بمعنى السياقِ أو مضرًا بثيمات النص الرئيسيّة. كيف يمكن لنا أن نعرف ما إذا كان الكاتب يقصد ما فهمه المُعصرنْ بالفعل؟ أَيُمكن الحفاظُ على كل التورياتِ والكناياتِ في حالة المساسِ بوسيلة إيصالها؟

علاقةٌ خطّية؟

يؤدي التساؤل عن معنى إعادة الصياغة إلى تساؤلٍ آخر: لم يَجِبُ علينا إبقاء التراثِ حيًا؟ أو بالأحرى، ما الطائل من وراء كل هذا؟ لا أظنّ أن تقديم إجابةٍ شاملةٍ أمرٌ ممكن، خصوصًا وأن للعلاقة بين التراث والحاضر مقارباتٌ عديدة. فعلى سبيل المثال، يمكن مقاربته عمليًا من باب أن تغيير الحاضر يتطلبُ معرفةَ القوى التاريخية التي شكّلته بحيث يمكن مقارعتُها. ويمكن مقاربته أدبيًا من باب الإلمام بتحولات الأشكال الأدبية عبر الزمن. ويمكن أيضًا مقاربته فكريًا بوصفه إبداعًا ثقافيًا لحقبةٍ ماضية لها ظروفها وحيثياتها. 

لا تتواجد أي مقاربةٍ بمعزلٍ عن الأخريات، ولا يمكن حصرُ العلاقة على أحدها دون البقية. جميعها جزءٌ من علاقة التراث بالحاضر، سواء تجلت بوضوحٍ أم توارت في العمليات اللا-واعية. لكن المقاربة الأهم -ولعلها الأكثر انتشارًا كذلك- معنيّةٌ بعلاقتنا بالتراث على المستوى الفردي؛ كيف تُخاطب الكتب همومنا وتطلعاتنا؟

هذه الجزئية مبنيّةٌ على افتراض أن في الأعمال الأدبية والفكريةِ وغيرها أبعادٌ تتجاوز المكان والزمان. بعبارةٍ أخرى، برغم أنها تنتمي فعليًا لزمنٍ محدد، تتناول النصوص همومًا إنسانيّة تتشارك فيها كل الأزمنة، مما يمكّن تشكيل علاقةٍ بين القارئ والنصّ بغض النظر عن الفجوة الزمنيّةِ بينهما. هذا الافتراض ليس مغلوطًا بالضرورة، ولا شك أنّ أحد الأسباب التي تجعلنا نقرأ أو نعجب بنصٍّ ما هو أننا نرتبط به بشكل أو بآخر. بل هذا الافتراض جوهريٌّ حتى في عملية عصرنة النص بحد ذاتها، فهي تهدف إلى تجاوز حاجز اللغةِ وتقريبِ روح النص إلى حاضرنا. فلولا أنّ في النصّ ما يرتبطُ بهموم عصرنا لما كان لإبقائه حيًا أي معنى.

هل يعني ذلك ألّا إشكال في الأمر؟ كلا، بطبيعة الحال. نعم، قراءة النص عصريًّا أمرٌ مطلوب. ولكن ماذا عن قراءته ضمن سياقه التاريخي؟ ألا يجبُ أيضًا وضعُ المنظومات المختلفة التي أُنتِج داخلها بعين الاعتبار؟ بل هل يمكن التوفيق بين عصرنة النص وتاريخانيّته؟

النصّ بوصفه وثيقةً تاريخيّة

أجيبُ على السؤال الأخير بِلا، وهذا الإشكال الرئيسي في أي عصرنةٍ أو ترجمةٍ أو ما أشبه. فهم النص تاريخيًّا يعني محاولة قراءته ضمن أطرٍ فكريةٍ مغايرةٍ بالضرورة، ضمن أطرٍ مختلفة جذريًا في تكوينها للمعنى. بالإضافة ذلك، قراءة النصّ تاريخيًا تعني تهميش المنظومات القيمية والإسقاطات التي تسلبُ النص من سياقاته، وتعني إدراك محورية اللغة وكونها عاملًا متفاعلًا مع البنى الاجتماعية المختلفة في كل زمن.

تواجه عصرنةُ النصّ خطر الوقوع في كلٍّ من الأبعاد الأربعة المذكورة أعلاه، فهي تحاول أولًا تقريبَ النصّ للأذهان المعاصرة (مما يعني رسم حدود مشتركة مُتخيّلةً بين الأطر الفكرية للماضي والحاضر)، وهي تصبغُ النصّ بسياقٍ غير الذي أُنتج فيه، وتفترض معنى محددًا للألفاظ بحيث يمكن استبدال المفردات وتراكيب الجمل بما يرادف تلك المعاني.

يمكن توضيح ذات الفكرةِ من زاويةٍ أخرى. تنطلق المقاربة التاريخانيّة من النص باتجاه الأُطر التي أُنتج ضمنها. بعبارةٍ أخرى، يصبح النص في المقام الأول والأخير مصدرًا تاريخيًا يُعيننا على إعادة بناء عوالم أخرى من أجل فهمها وفهمه بشكلٍ أعمق. على الجانب الآخر، تنطلقُ عمليّة العصرنة من أطر الحاضر باتجاه النص، أي أنها تجعلُ الحاضر نُقطةً مرجعيّةً مُثلى تُستخدم في إعادة قولبة أطر الماضي. إعادة صياغة رسالة الغفران أو غيرها من الأعمال التراثية ليست مساسًا بالنص وحسب، بل انتصارًا لتيارات معيّنةٍ وتوجهاتٍ محددةٍ فيما يتعلق بالعلاقة بين الماضي والحاضر. 

من الجلي إذن أن لعصرنة النص مخاطر لا يمكن إغفالها. كلما تغلغلت أطر الحاضر في رؤيتنا الحياتية، صارت قراءاتنا مثاليّةً ولا-تاريخيّةً وساذجة. لا أؤمن أن الفجوة اللغويّة بين التراث والحاضر بالمقدار الذي يتطلبُ عصرنة النصوص. مهما بلغ التفاؤل بثمار العصرنة المرجوّة، من الضروري إدراك أن المخاطر المترتبة عليها قد تكون أكثر.