لماذا يميل الشموليون للكابتن رابح بينما يميل الديموقراطيون للكابتن ماجد؟

هيمن مسلسلا الكابتن رابح والكابتن ماجد على غيرهما من المسلسلات الكرتونية المتعلقة بكرة القدم. برغم وجود بعض الأفراد الذين حاولوا جاهدين إثبات علو كعب الكابتن ثابت أو مسلسل شووت –وهم غالبًا نفس الأفراد الذين يميلون اليوم لتشجيع توتنهام بدافع الاختلاف عن السائد-، لم تتزعزع صدارة رابح وماجد في قلوب الأغلبية. 

أتذكر منذ الصغر كل محاولات محاكاة تسديدة آكيلا. كل المحاولات الفاشلة بالأحرى؛ ليس من السهل أن يرفع أي أحدٍ رجله بحيث تشكل ساقاه خطًّا مستقيمًا عموديًا على أرضٍ ترابية. أتذكر أيضًا كل محاولات تقليد تسديدة مخلب النمر. تبدأ الخطوة الأولى لهذه التسديدة بتشليح أكمام القميص ومن ثم محاولة تسديد الكرة بالقوة الكافية لطعجها، وهي القوة التي يزعم تسعون بالمئة من رفاق الطفولة أن أحد أبناء عمومتهم يمتلكها.

لطالما ملتُ شخصيًا (وما أزال) للكابتن ماجد، ولطالما وجدتُ في نظيره محاولةً فاشلةً لمحاكاة الأول، خصوصًا وأنني في صغري أقيمُ معسكرات استقطابٍ حادة بين المسلسلات المتشابهة: الكابتن ماجد ضد الكابتن رابح، السباق الكبير ضد سابق ولاحق، بوكيمون ضد أبطال الديجيتال، مسلسلات الإخوة المنصور الرمضانية ضد مسلسلات حياة الفهد. لم أعتقد بإمكانيّة أن يميل الفرد إلى المسلسلين المتنافسين معًا أو أن يهواهما بذات الدرجة، بل كان لا بدّ من تفضيل أحدهما دون الآخر (والمسلسل الأفضل هو –بطريقةٍ أو بأخرى– ما أعتقد أنه الأفضل).

لكن هذا التبرير لم يعد كافيًا في زمنٍ تتصارعُ فيه مختلف الخطابات السلطويّة المباشر منها وغير المباشر. لم يعد الالتجاء للرأي الشخصي بتفضيل اللون الأزرق على البرتقالي ممكنًا على سبيل المثال دون المخاطرة بتلقي اقتراحٍ لتزريـ… لتبرتقيله وإنهاء النقاش. صار لا بد من تبرير الذائقة الشخصية بحججٍ أخرى تصوّرها كما لو أنها مستقلةٌ بالفعل عن الذات، كما لو أنها موضوعيةٌ تستمد أفضليّتها من قيمٍ إنسانيّةٍ عليا لا مجال فيها للتدخل الفردي. السؤال الذي أطرحه على نفسي هنا: كيف يمكنني عقلنة أفضليّة الكابتن ماجد على نظيره؟  

أزعم أن في كلمات أغاني مسلسل الكابتن رابح والأجزاء الثلاثة الأولى للكابتن ماجد ما يكفي لعقلنة هذه الأفضلية. تكمن أفضلية الكابتن ماجد في كونه ديموقراطيًا وداعيًا للديموقراطية. هذا يعني أن محبي الكابتن ماجد “بطبعهم” ديموقراطيون، وهذا التشابه الجوهري سببٌ رئيسيٌّ في الميل لمسلسل ماجد. أما الكابتن رابح فهو استبداديٌّ شمولي، وأتباعه يميلون بطبعهم للاستبداد والشمولية (يجب ألا يقل عدد المتضامنين عن واحد). وعلاوة على ذلك، تصبح أحداث المسلسل وفق هذا المنظور –أي صراع الديموقراطية والشمولية- أكثر منطقيّة، إذ يمكن إعادة صياغتها (قسرًا أحيانًا) بما يعزز المنظور والدعوى المطروحة.

لأجل استكشاف أبعاد دعواي بشكلٍ أكثر تفصيلًا، سأبدأ بتحليل مطلع أغنية الكابتن رابح:

لوحوا واهتفوا بصوتٍ عالٍ رابح

صفقوا واهتفوا لفوز الكابتن رابح

يمكن من البداية التنبه للاحتفاء المبالغ فيه بشخص الكابتن رابح. ما الذي يدعونا للهتاف والتصفيق للاعبٍ واحدٍ دون العشرة الآخرين؟ (تنويه: هذا سؤالٌ استنكاري، ولا أبحث عن إجابةٍ من عشاق كريستيانو وميسي). كرة القدم لعبةٌ جماعيّة، والانتصار فيها يعني انتصار منظومة عملٍ كاملة من إدارة وطاقم تدريبي ولاعبين بل وحتى الجماهير المساندة، فما الذي يعنيه أن نصفق ونهتف لفوز الكابتن رابح؟

يكمن أحد أبعاد الإجابة على هذين السؤالين في المقطع الذي يلي من الأغنية:

رابح يا كابتن هداف

في المرمى صبت الأهداف

تبقى دومًا في الأوصاف مثال الشاب الناجح

رابح بطلٌ حلمٌ عربي

قد أصبح رمزًا للعب

نجد هنا خطابًا إعلاميًا يمجّد الكابتن رابح بوصفه رمزًا للعروبة والنجومية والتهديف بكرة القدم. بل يبلغ الخطاب حدًا يجعله يقابل إلى حدٍّ ما بين النجاح والتهديف، أي كما لو أن الناجح الوحيد في منظومة اللعب هو الهداف. يؤدي هذا بطبيعة الحال إلى اختزال هوية الجماعة في فردٍ وحيدٍ، إلى تهميش الأدوار التي يقوم بها الجميع من أجل إعلاء دور من نصب نفسه قائدًا للمنظومة. 

والأمرّ من كل ذلك أن هوية الجماعة يُعاد تعريفها وفقًا لهذا الفرد أيضًا. يمكن ملاحظة ذلك في المقطع الذي يلي:

جوليان لوكا والأجنحة

فريقٌ جولاته رابحة

بتوجيهٍ من رابح

بتوجيهٍ من رابح

ومن ثم:

وها هو روبسون يطبب

وها هو درتين يدرب

وها هي ذي آنا الصديقة

وها هي كاترين الرقيقة

رفاق الكابتن رابح

رفاق الكابتن رابح

تشير الجزئيتان إلى الفكرة ذاتها: ترتبط قيمة المذكورة أسماؤهم بشخص الكابتن رابح، ولولاه لما كان لهم قيمة. صحيحٌ مثلًا أن الأغنية تشير إلى أن الأجنحة فريقٌ قوي بوجود جوليان ولوكا، ولكن توجيه رابح هو العامل الأساسي. وصحيحٌ أيضًا أن الأغنية تعرج على ذكر روبسون ودرتين وغيرهم، ولكنهم جديرون بالاهتمام فقط لأنهم رفاق الكابتن رابح (لعل كاترين ستُذكر بكل الأحوال لأنها خرفنت 85% من متابعي المسلسل، ولكن هذا نقاشٌ آخر).

هكذا كل ما أود قوله عن مسلسل الكابتن رابح. سأحاول تناول ذات الأفكار في أغنيات الأجزاء الثلاثة للكابتن ماجد، وإن كان الأمر أصعب بقليل لضرورة التطرق لثلاث أغنيات مختلفة (سيكون إجحافًا بحق رابح لو تناولتُ أغنية وحيدة ضده). قد يجد أنصار الكابتن رابح عزاءً في كلمات أغنية الجزء الأول من الكابتن ماجد، حيث يبدو للوهلة الأولى أنها تتمحور حول شخص الكابتن ماجد وتبجله دون غيره:

الكابتن ماجد

نجم الملعب

نجم رائع

نجم حساسٌ ومهذب

يعرف أن اللعب مهارة

فن تمرير متبادل

يصنع أهدافًا وإثارة

بالتدريب المتواصل

والإخلاص مع الأخلاق

تجعله نجمًا محبوب

تفتح للفوز الآفاق

تأتي بالأمل المطلوب

يعرف من أخطاء الغير

كيف يكون اللعب الأفضل

يعرف أيضًا أن الصبر

يصنع نجم الكرة الأول

لعل تفاؤل أنصار رابح مبررٌ قليلًا، فالأغنية تركز فعلًا على ماجد. لكن الحقيقة أن التأمل فيها ولو بشكلٍ بسيط يكشف أنّ الكابتن ماجد يدركُ كونه جزءًا من منظومةٍ كاملة حتى وإن حاول أن يكون الأكثر تميزًا بها. لا يمكن افتراض استبداده حين نجد الأغنية تتحدث عن التمرير المتبادل وصنع الأهداف والتدريب، وهي جميعًا خصائص موجودة فيمن يعتزم إعلاء الفريق ككل (وهو إعلاءٌ سيعود بالفائدة الشخصية عليه في كل الأحوال). 

وبالإضافة لذلك، تشير الأغنية إلى أن تميز ماجد قابلٌ للمحاكاة. يمكن للراغبين أن يصبحوا مثله وقتما التزموا بالصبر والإخلاص والتعلم من أخطاء الغير (بعكس فوقيّة رابح “الفطريّة” التي لا يمكن محاكاتها). فحتى حين تشير الأغنية لنجومية ماجد، نجدها إما مجرد إخبارٍ أو وصف (نجمٌ رائع، نجمٌ حساس ومهذب، نجمٌ محبوب). هذا يعني أن المشي على درب ماجد كفيلٌ بالوصول إلى رتبته بطريقةٍ أو بأخرى.

تتكرر ذات الأفكار في أغنية الجزء الثاني من المسلسل:

الكابتن ماجد

عاد إليكم من جديد

سجل هدفًا حقق فوزًا ضاعف جهدك في التمرين

لن تحرز أهدافًا حلوة إلا بالتصميم (آه)

سجل أهدافًا لا تيأس لا تخشى المرمى

كن حسن الخلق مع الخصم فأهدافك أسمى

الكابتن ماجد

عاد إليكم من جديد

هيا تمرن كافح والعب

سجل أهدافًا لن تُغلب

ما أجمل أن تكسب هدفًا

بعد عناء سنين

لا تحتوي كلمات الأغنية على أي تبجيلٍ للكابتن ماجد عدا أنه عاد إلينا من جديد، أما بقية الكلمات فهي نصائح عامة موجهة لأي هاوٍ للكرة، وجميعها –تقريبًا- تتمحور حول المنظومة الجماعية أو عدم تقديم المصالح الفردية على مصلحة الفريق ككل. أقول تقريبًا لأن الأغنية تحتوي على ما قد يُبهج أنصار الكابتن رابح: أهدافك أسمى! الكابتن ماجد أنانيّ! أوليست هذه الجزئية تدعو لتقديم الاعتبار للذات ضد الآخرين؟ 

لا يمكن بالطبع التطرق لنقطةٍ مثل هذه دون الدخول في تفاصيل فلسفات أخلاقية وعرة، خصوصًا فيما يتعلق بالكيفية التي يرتبط بها الفرد مع المجتمع. ولكنني أجد نفسي أميل للفكرة القائلة بأن كل الأفعال (حتى التي تدخل في باب الإيثار والتضحية وما أشبه) مدفوعةٌ برغبةٍ ذاتيةٍ في السمو. بعبارةٍ أخرى، حتى انغماس الفرد التام في المجتمع جزءٌ لا يتجزأ من المصلحة الذاتية، وهي بدورها مرتبطةٌ بمصالح أخرى لا-ذاتية. حين تشجع الأغنية على الإحسان للخصم من باب أن الأهداف أسمى، فهي مجرد دعوةٍ لإدراكِ أن هذه الخصومة ليست بالضرورة مطلقةً، أي أنها محدودةٌ بحدود الملعب وحسب. لكن هذا النقاش خارجٌ بعض الشيء عن غرضي من هذه المقالة، ولذا أرجئه لوقتٍ آخر.

لعل الوقت مناسبٌ الآن لتحليل أغنية الجزء الثالث، وهي التي تحتوي –بنظري- على أوضح الإشارات لديموقراطية الكابتن ماجد وإيمانه بضرورة التكاتف مع الجميع:

تا تا تتا تا، ماجد

عاد إليكم من جديد

الكابتن ماجد

عاد من جديد

يمرر ويساند

جاهز للتسديد

لعب فذ، طرق إثارة 

تمريرات للأصحاب

رمية من ماجد بمهارة

تفتح للهدف الأبواب

سجل أهدافًا لا تيأس لا تخشى المرمى

كن حسن الخلق مع الخصم فأهدافك أسمى

كابتن ماجد

عاد إليكم من جديد

نجد المقطع الأول من الأغنية متعلقًا فعلًا بالكابتن ماجد، ولكنه لا يمت بأي صلة للتبجيل المبالغ فيه كما هو الحال في أغنية الكابتن رابح. فحسبما تقول الأغنية، من صفات الكابتن ماجد التمرير والمساندة (وكلتاهما صفتان تتطلبان وجود الآخرين)، كما أنه جاهزٌ للتسديد في حالة استدعى الأمر ذلك. وعلاوةً على ذلك، بدل التغزل في كونه هدافًا ويصيب الأهداف، يوصف الكابتن ماجد بلمساته السحرية التي تفتح فرص الأهداف لزملائه. لا يهم من يسجل، المهم أن نفوز معًا.

في ختام المقالة، إذا لم يكن ما ذكرته حتى الآن كافيًا لإقناعك أن الكابتن ماجد ديموقراطي يدعو للحمة الفريق في مقابل شمولية الكابتن رابح واستبداده الفطري، ألجأ للنقطة الأخيرة: غيريّة رابح المستبد. أستلهم الفكرة بشكلٍ رئيسي مما إحدى أفكار كتاب الأمير لماكيافيللي. حين يهيمن أميرٌ ما على أمارة أجنبية جديدة، من المنطقيّ أن ينتقل للعيش فيها من أجل أن يشعر أهالي تلك المنطقة بالرهبة من أي محاولةٍ للثورة أو العصيان. هذا ما فعله الكابتن رابح تمامًا. “رابح” هو الاسم العربي الوحيد بالمسلسل (وتقول مصادر الإنترنت أنه سُمي تيمنًا برابح ماجر، أول لاعب عربي يفوز بدوري أبطال أوروبا مع نادي بورتو البرتغالي)، وهو الاسم الوحيد غير المتجانس مع سيزار وجوليان ولوكا وروبسون. هذا يعني أنه منتمٍ لخلفية ثقافية أخرى غير التي جاء منها البقية، ولذا يصح وصفه بـ “الآخر”. حين تصفه كلمات الأغنية بأنه “بطلٌ حلمٌ عربي”، فهي تشير إلى أن فوقيّته ليست نابعةً من مهاراته بقدر ما هي فوقية طبيعيّة؛ هويته لا تنفصل عن تفوقه. كل خطابات الاستبداد تتبنى هذه الفكرة بطريقةٍ أو بأخرى.

على الجانب الآخر، نجد الهوية العربية في مسلسل الكابتن ماجد حاضرةً بقوة. هناك بسام وياسين وعمر ورعد وحيان ومازن وفواز وبشار وحسن والأخوان شوقي وغيرهم. وجود الكابتن ماجد بينهم وجودٌ متجانس، وهذا ما تعززه كلمات الأغنية الداعية للانتماء للمنظومة الاجتماعيّة. ومن الجدير بالذكر أن حضور “الآخر” في الكابتن ماجد (مثل احترافه في نادي ساو باولو بالجزء الثالث أو المباراة التي لعبها في الجزء الثاني ضد شنايدر) لم يكن بذات الأهمية، حيث تمحورت الغيرية في أرض الملعب وحسب. أدرك طبعًا أن أنصار الكابتن رابح سيقولون الشيء ذاته، أي أن غيرية الكابتن رابح تخيلية أكثر منها حقيقية. لكن هذا النقاش سرعان ما يفقد قوته حين نتذكر أن رابح قدم من خارج إيطاليا بالفعل، أي أنه غيريٌّ بالضرورة.