التكنية بوصفها تهميشًا للذات

كتبتُ بالأمس تغريدةً أدّعي فيها أن مناداة الآخرين بأبي فلان أو أم فلان جزءٌ من تكريس الأدوار الاجتماعية وتغليب الهوية الاجتماعية على الذات.

كتبتها بلا أدنى نية للخوض في تفاصيلها في الوقت الحالي، ولعل أسلوبها دليلٌ جليّ على أنها مجرد فكرةٍ عابرة لم تتبلور بالشكل المطلوب بعد. ظننتُ التغريدة واضحة، على الأقل من ناحية الأسس التي أنطلق منها. ولكن وصلني من الردود ما خيب ظني قليلًا، إذ اكتشفتُ أن سوء فهم التغريدة سهلٌ جدًا. كان هذا الدافع الأول للاستعجال في كتابة المقالة.

كتبتُ التغريدة فجر يوم العيد قبل أن أعانق وسادة النوم. ولما كان نومي قصيرًا ومتقطعًا، يمكن فهم مقدار التنرفز حين استيقظتُ بعد سويعاتٍ وقرأت تلك الردود. كان هذا الدافع الثاني للاستعجال في كتابة المقالة.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الفكرة نضجت ولا أن تفاصيلها اكتملت، لكنه يعني حتمًا أن بعض حدودها بدأت ترتسم وتتجلى بشكلٍ أكثر وضوحًا. محاولةُ تحديد ما ليست الفكرة عليه لا تقل أهميةً عن محاولة تعريفها، بل لعل ممايزتها عما ارتبط بها من البديهيات (أو تأصيلها بشكلٍ أمتن على أقل تقدير) أهمّ في سبيل عرضها لنقدٍ أكثر رصانة وعمقًا. لهذه الأسباب، لن أتطرق في هذه المقالة لمتن فكرة التغريدة بقدر ما أحاول تفنيد بعض أوجه سوء الفهم التي صاحبتها بإيجاز.

أرى أن سوء الفهم هذا نابعٌ من ثلاثة أوجهٍ رئيسية. هناك أولًا خلطٌ فيما يتعلق بثنائية الذات/المجتمع، أو مفهوم الذات في مقابل مفهوم المجتمع. وهناك ثانيًا خلطٌ بين ما يختار الفرد أن يُعرّف ذاته به في مقابل تعريف الآخرين له، خلطٌ على مستوى الهوية تحديدًا. وهناك أخيرًا خلطٌ فيما يتعلق بسياق تكنية الفرد بأبي فلان أو أم فلان كما ذكرته في التغريدة.

الذات vs. المجتمع

تبدو هذه النقطة أكثر بداهةً من أن تُطرح: هناك أنا، وهناك هم. صح؟

نعم ولا. قد يكون من الأنسب القول بأن هناك أنا و “لا-أنا”، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الممايزة ليست خالية من الإشكالات هي الأخرى. فلنبدأ بمثالٍ بسيط: أستطيع شخصيًا الإشارة لنفسي بإصبعي، وأستطيع أيضًا الإشارة إليك (ويمكنك غالبًا القيام بالشيء ذاته). ولكن هل نستطيع الإشارة إلى “مجتمع”؟ نستطيع بطبيعة الحال الإشارة إلى مجموعةٍ من الناس -إلى مجموعةٍ من الأفراد بالأحرى-، ولكن هل نستطيع الإشارة إلى مجتمع؟

سيكون الجواب قطعًا بلا، مهما حاول أي شخصٍ أن يُفلسف الأمر. والسبب بسيطٌ جدًا: أناي امتدادٌ لوجودي المادي، أي أن حدودها تتقاطع مع حدود الجسد المادي الذي أمتلكه. أستطيع أن أشير إلى نفسي لأن أناي محدودةٌ ماديًا، وأستطيع أن أشير إليك لأن الأنا الخاصة بك (أنا+ك؛ تجنبت كتابتها في مفردةٍ واحدة لأسباب واضحة) محدودةٌ ماديًا، وأستطيع أن أشير إلى مجموعةٍ من الأفراد لأنه لكلّ منهم حيز مادي خاص. في هذا السياق، كلٌ منا جزء من وجود النوع البشري، جزءٌ من وجودنا بوصفنا مخلوقات حية على هذا الكوكب. الشيء نفسه ينطبق على قدرة كلٍّ منا -تقريبًا- على الإشارة لقطةٍ ما، وقطةٍ ثانية، وقطةٍ ثالثة، دون أن نفترض أن هذه القطط تشكل مجتمعًا. 

وفي المقابل، لا يمكن تحديد المجتمع ماديًا. يمكن وصفه بالطبع وفق معايير معينة، كالحدود الجغرافية أو الخلفية الثقافية أو ما أشبه، ولكن هذا لا يعني أن وجوده مساوٍ لوجودنا نحن بوصفنا أفرادًا. على سبيل المثال، نشأتُ وما زلت أعيش في قريةٍ صغيرة شرقيّ المملكة اسمها الجش. برغم قدرتي على تحديد مكانها جغرافيًا، إلا أن ذلك لا يعني أن كل من يعيش ضمن هذه الحدود جزءٌ من القرية (بعض سكانها يعيشون هنا قادمين من مناطق أخرى). الجش إحدى قرى محافظة القطيف، وبرغم أن مجتمع القطيف غالبًا ما يوصف بوصفه متجانسًا ثقافيًا ومذهبيًا وما إلى ذلك، إلا أن لكل قريةٍ ومنطقةٍ هويتها الخاصة حتى الآن، أي إن إدماجها في “مجتمع” أكبر لم يعن فقدانها لمجتمعيتها الخاصة.

من الواضح هنا أننا أمام مستويين مختلفين. يمكن تحديدُ الفرد (أو الأفراد) ماديًا دون أن يمكن تحديد المجتمع كذلك. هذا يعني أن للأفراد وجودًا مستقلًّا -إن صح التعبير- عن مفهوم المجتمع.  

قد يقول قائل: طيب حسين، مو قلت من قبل إنه الذات تتشكل اجتماعيًا؟ كيف الحين تقول إنه كل واحد له وجود مستقل؟

هذه الفكرة هي عينها الإشكال الذي أطرحه. هناك فرقٌ بين الفرد والذات. العلاقة التي تطرقت لها في التغريدة ليست بين الفرد بوصفه جزءًا من النوع البشري والمجتمع، بل بين الذات والمجتمع. مفهوم المجتمع متخيّل، ومفهوم الذات هو الآخر متخيّل. الحديث هنا على مستوى المفاهيم. لكن وجودي الجسدي الحيوي بوصفي كائنًا بشريًا ليس متخيلًا، بل مادي. صحيحٌ أن مفهوم الذات مرتبطٌ بهذا الوجود المادي، إلا أنه جزءٌ لا يتجزأ من الوجود الاجتماعي. لا يمكن تعريف الذات بمعزلٍ عن الآخر، عن اللا-ذات، عن المجتمع. مجددًا، الذات هنا مفهوم فلسفي، وليست وجودًا ماديًا. 

يمكن إذن فهم تشكل الذات اجتماعيًا. تتفاعل صورتي عن ذاتي مع صورة الآخرين عنها، كما تتفاعل مع صور الآخرين عن ذواتهم وصوري عنهم إلى آخره. في هذا السياق وحده يمكن الحديث عن مفاهيم من قبيل الهوية. والشاهد من كل ما ذكرته أن وجودنا يمثل دومًا صراعًا هوياتيًا تتشابكُ وتتعقد فيه كل هذه الأبعاد، وهذا ما يجرني في الحديث إلى النقطة الثانية.

العالمُ الأديب حسين

فلنفترض الآن أنني أقابلك للمرة الأولى. وفيما أمد يدي مصافحًا إياك، أُعرف نفسي بالعالم والأديب حسين. كيف ستبدو صورتي برأسك حينها؟ أنني مغرور؟ نرجسي؟ مهايط؟

فلنفترض أنني كنتُ مع صديقٍ لك، وبادر هذا الصديق بتعريفي إليك بالمهندس حسين. هل سترتسم ذات صورة الغرور والنرجسية والهياط برأسك؟

أجزم أن الغالبية ستجيب على السؤال الثاني بلا. لكن الحقيقة أنني لستُ مهندسًا، حتى بعد عشرات المرات التي قُدّمت فيها للآخرين بوصفي كذلك. ولكنني فيما يتعلق بمؤهلاتي العلمية عالمٌ وأديبٌ إلى حدٍّ ما، إذ أحمل شهادة بكالريوس علوم وماجستير آداب. فما الذي يجعل تعريفي لنفسي غير مقبولٍ في حال كون تعريف صديقكِ لي مقبولًا؟

لا أحاول بالطبع إقناعك بمناداتي بالعالم الأديب، وكتبتُ في مقالٍ سابق عن العلاقة بين تعريف الذات بالشهادة ومأسسة الرأسمالية متهكمًا على الأمر بأجمله. لكن من الواضح أن هناك فوارق فاعلة فيما يتعلق بتعريفي لنفسي وتعريف الآخرين لي. أن أصف نفسي بالمفكر مثلًا أمرٌ مستهجن، لكن أن يصفني آخر بذلك قد لا يضرني أنا بقدر ما يؤدي إلى استهجانه والتهكم عليه هو.  

ولكن مهما كانت الهوية التي أتبناها لنفسي أو يسبغني بها الآخرون، فلا شك أنها مؤثرة بشكلٍ أو بآخر. إذا كنتُ أعتبر الهوية إيجابية، فلعلها تدفعني للتصرف بطريقةٍ معينة، والشيء نفسه يقال عن الهوية السلبية وردة فعلي عليها. لا يعني ذلك بالطبع أن للفرد هوية وحيدةً ولا أنه مدركٌ لكل الهويات المتداخلة في حياته، ناهيك عن عدم قدرته على تحديدها كلها أساسًا.

لستُ بصدد الخوض في نقاش مستفيضٍ عن الهوية وما إلى ذلك، وجل ما أريده من السطور السابقة تسليط الضوء على جانبٍ معين. في سياق التغريدة، تحدثت عن هويةٍ يسبغها المجتمع على الفرد. هذه الهوية قائمة وموجودة سواء قَبِل الفرد بها أم لا، فهي جزءٌ من وجوده الاجتماعي ومرتبطةٌ به. هذه الهوية قائمة لا على وجودٍ فردي وحسب، بل على علاقةٍ بين فردين، بين مُكوّنين اجتماعيين. كوني أُكنى بأبي فلان نسبةً لابني البكر يعني أنني وفلان مرتبطان بهويةٍ ما، إذ أُعَرّف أنا به ويُعرف هو بي. 

لكنني في سياق التغريدة تطرقتُ أيضًا إلى بعد سلبيّ متعلقٍ بهذا الربط، وهو ما أسميته تهميش الذات. لعل هذه النقطة هي ما استثارت بعض الردود، برغم أنها صحيحة ١٠٠٪. صحتها لا تعني أن الأبعاد الأخرى مغلوطةٌ بالضرورة، ولا تعني أنها هي الأبرز. لكنها صحيحة وموجودة وقائمة. كم منا لم يفعل يومًا من الأيام فعلًا “فشّل” والديه أو أحدهما؟ ترعرعتُ شخصيًا كما ترعرع الكثيرون منكم في بيئةٍ لا تحصر الأفعال على مرتكبها، بل تجعلها امتدادًا لسلسلة العلاقات المرتبطة به. أثناء نشأتي، امتنعتُ عن بعض الأفعال لا لأنني معتقدٌ بخطئها بأي شكلٍ من الأشكال سوى أنها “قد” تجلب العار لوالديّ، أي لكونها لا تليق بالصورة الاجتماعية التي يمتلكانها. وفي السياق نفسه، أي في سياق العلاقات المُحمّلة هذا، تعشعش فلسفة “وش بيقولون الناس عنا؟” 

فلسفة التكنية بالمولود أو المولودة البكر جزءٌ من سلسلة العلاقات الاجتماعية هذه. منذ قدوم المولود، ترتسم علاقات اجتماعية جديدة تصاحبها هويات وأدوار خاصة، ومن الحماقة الاعتقاد أن هذه العلاقات بلا آثار سلبية (أذكر هنا على سبيل المثال أيضًا ظاهرة “حرم فلان” أو كريمة فلان، والتي تتقاطع هي الأخرى في سياقات الأدوار الاجتماعية متجاوزة إياها للمفاهيم الجندرية وغيرها). 

الهوية التي يسبغها المجتمع عليّ مؤثرة سواء قبلتُها أم لا، ولها عواقبها الخاصة. وفي سبيل الرد على النقطة الأخيرة فيما وصلني من الردود، أعرج على وجه سوء الفهم الثالث.

أبو علي وأبو وافي

قبل أن تنجب زوجتي، كنت عند الجميع “أبو علي” مثل كل من كان اسمهم حسين أو حسن. بعد قدوم وافي، صرت “أبو وافي” كذلك (لم تعتد الغالبية حتى الآن تكنيتي به). لم أجبر أحدًا على مناداتي بأي من هاتين الكنيتين، ولم أحرص على تعريف نفسي بأيٍّ منهما، ولم أرفض كذلك مناداتي بأحدها. أدرك تمامًا أن أحد أبعاد التكنية يكمن في العلاقة الودودة، أو في التأدب، أو في الاحترام، أو في تطييح الميانة. أستخدم التكنية شخصيًا مع أصدقائي وزملائي في العمل ومعارفي، وأدرك تمامًا أن لها أبعادًا إيجابية. وحتى حين ذكرت البعد السلبيّ المتعلق بتوسيع دائرة عواقب الأفعال أعلاه، لم أقل أبدًا أن البعد السلبي هو البعد الوحيد ولا أنه بعدٌ واعٍ بالضرورة. يمكن للإيجابيات والسلبيات أن تتواجد في الآن نفسه. 

كل ما قلته في التغريدة هو أن للتكنية أبعاد سلبية لا يمكن إغفالها. ربما أخفقتُ في توضيح أن التغريدة متعلقة بتكنية الفرد (أبًا كان أو أمًا) بالابن البكر، ولكنني عنيتُ هذا الأمر تحديدًا: أبو فلان وأم فلان (وليس أبا فلانة أو أم فلانة مثلًا). وقصدتُ كذلك التكنية الصادرة من الآخرين بغض النظر عما إذا كان الفرد يقبلها أم لا، أي أنها مرتبطة بالصورة التي يمتلكها ويفرضها الآخرون عن ذلك الفرد. 

هذا كل ما وددتُ قوله في توضيح التغريدة. 

تحياتي
العالم الأديب أبو وافي بن أبي حسن.