من العلوم للآداب: كيف قررت إكمال دراستي في مجال آخر عن بعد؟

“كيف بيفيدك هالتخصص في وظيفتك؟”

لو أنشأتُ صفحة خاصة بالأسئلة الشائعة التي وُجّهت لي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فلا شك أن هذا السؤال سيتبوأ أحد المراتب الأولى. لا يأتي السؤال من فراغٍ طبعًا، بل يسبقه عادةً سؤالان آخران -أو ثلاثة بحسب الظروف-، وجميعها تنبع أساسًا من لحظة العلم بأنني أدرس الماجستير عن بعد أثناء كوني على رأس العمل. تجري المحادثة عادةً كالتالي:

“أوه ما شاء الله، وش تدرس؟” 
“آداب حرة.”
“آداب حرة؟ وشو يعني؟”
“خلنا نقول إنه خليط مجمّع من مختلف التخصصات الإنسانية تحت تخصص واحد، تخصص بيني إن صح التعبير.”
“كيف بيفيدك هالتخصص في وظيفتك؟”
“أخذته علشان نفسي، مو عشان الوظيفة.”
“ما علينا، من جدك للحين تشجع الاتفاق؟”

يأتي هذا الاستغراب غالبًا من زملاء العمل أو ممن يعرفني شخصيًا ويعرف طبيعة تخصصي في مرحلة البكالوريوس وطبيعة عملي، إذ يبدو تخصص الماجستير في الآداب شطحةً جذرية بالنسبة لهم. فحسين الموظف تخرج بشهادة بكالوريوس في علم الأرض من جامعة تكساس أيه أند إم الأمريكية، وصار يعمل في أرامكو السعودية بقسم الحلول الجيولوجية، في فريق علم الطبقات الحيوية تحديدًا. في يوم العمل المثالي، أقضي وقتي في فحص العينات تحت المجهر لأجل تحديد أعمار تلك العينات من خلال المحتوى الأحفوري فيها. بعد كل هذا، خصوصًا عند من لا يتصور التخصص خارج الإطار الوظيفي، قد تبدو شهادة الآداب شطحةً فعلًا.

لكنّ جانبًا واحدًا من القصة لا يكفي. الاستفسارات حول الشطحة لا تشكل سوى جزءٍ بسيطٍ من الاستفسارات التي وصلتني. هناك أيضًا من أراد معرفة بعض التفاصيل عن البرنامج –سواء من ناحية المحتوى أو التكلفة أو غيرها-، وهناك من استفسر عن الأسباب التي دفعتني لإكمال دراستي في تخصص مختلف جوهريًا عن تخصصي السابق، وهناك أيضًا من أراد معرفة تجربتي الشخصية في الانتقال من مجالٍ لآخر أو في التوفيق بين الدراسة والعمل وما إلى ذلك. قررتُ بعد تفكير مليّ أن أكتب مقالًا يتطرق لهذه التساؤلات ويحاول الإجابة عنها بشكلٍ وجيز.

أنوه من البداية على أنني لا أقدم هذه التجربة على أنها تجربة نضالٍ أو كفاحٍ حياتيّتين، ولا أعتبر نفسي ذا تجربةٍ خارقة للعادة (لا أقول هذا من باب التواضع). أدرك تمامًا أن جزءًا كبيرًا مما أوصلني لما عليه الآن كامنٌ في الظروف التي تهيأت لي مذ فتحتُ عيني على الدنيا. ولدتُ في عائلة من الطبقة المتوسطة، ولم أعانِ يومًا في تدبير ضروريات المعيشة الأساسية. في القرية التي نشأت وما زلت أعيش فيها، تدبير الضروريات المعيشية من البداية يجعلني في وضعٍ أفضل من العديد من أقراني. دراسة أبي في الولايات المتحدة الأمريكية وإلمام والديّ بالإنجليزية جعل تعلمها أمرًا سهلًا بالنسبة لي ولإخوتي. ولأنهما يدركان أهمية التعليم، كانا يحرصان على أن نتبوأ المراكز الأولى في ترتيب الطلاب ولا يتهاونان مع أي تقصيرٍ قد نبديه. كل هذه العوامل وغيرها مكنتني من تطوير رأسمالٍ ثقافي خاص لا بأس به، رأسمالٍ أشعرني يوم كنتُ على مقاعد الدراسة بأنني حيثُ أنتمي فعلًا. وبالإضافة لذلك، بفضل الرأسمال نفسه، أتيحت لي فرصٌ ما كانت لتتاح لولا الآثار التراكمية له. هذه النقطة الأخيرة هي الأهم؛ لو أتيحت لغيري ذات الظروف المتاحة لي لتمكن الكثيرون من تحقيق ذات الإنجازات. هذا أحد الأسباب التي تدفعني لتجريد تجربتي من أي نزعةٍ خصوصية أو فوقيةٍ وما إلى ذلك، إذ أكون جاحدًا وكاذبًا لو نسبتُ كل الفضل لنفسي فيما أنجزته.

من العلم إلى الآداب

Professor of chemistry or scientist teaching students in college class or university at old chalkboard banner with cartoon character in flat style vector illustration.

ولئلا أضيع أوقاتكم أكثر، لعل من المناسب البدء الآن فيما يتعلق بالشطحة المزعومة. هل كانت شطحةً فعلًا؟ يمتلك أبي مكتبةً صغيرة كنتُ أتجول في رحابها بين الفترة والأخرى منذ سنين حياتي المبكرة، واعتدنا الذهاب إلى مكتبة جرير وشراء ما رغبنا به من كتب ومجلات. رافق حب القراءة هذا حبّ الكتابة، ولذا كان طبيعيًا أن أكتب يوم كنتُ في الابتدائية حبكةَ حلقةٍ طلبتُ من والدي إرسالها لطاش ما طاش (ملخصها أنّ القصبي والسدحان أرادا شراء كومبيوتر، وبعد مفاضلةٍ بين جهازين قررا شراء الأرخص. الشاهدُ أن صاحب المحل باعهما جهازًا معطوبًا، وفي محاولاتهما المستمرة لإصلاحه انتهى بهما الأمر لصرف ما يتجاوز سعر الجهاز الأغلى. لا، ليس هناك هدفٌ من وراء هذه القصة). في المرحلة المتوسطة، بدأتُ محاولاتي الفاشلة في كتابة الشعر، والتي انتهت بشكلٍ شبه رسميّ بعدما ألقيتُ قصيدةً في أمسية بحضور مدير مكتب التعليم بالشرقية يوم كنتُ بالصف الثالث الثانوي (لم تكن القصيدة سيئة ربما، ولكن قصائد اللذين ألقوا معي أحبطتني وجعلتني أعتزل مبكرًا). 

بعد إنهاء المرحلة الثانوية، قُبلت في برنامج الابتعاث الجامعي التابع لأرامكو السعودية. كان تصوري عن التخصصات الجامعية حينها ساذجًا، ولم أجد نفسي ميّالةً لأي مجال محدد. والحقيقة أنني كنتُ أجهل طبيعة التخصصات الجامعية والفروق بينها من الأساس. ولذا، بعد استشارة أهلي وذوي الخبرة، اخترتُ علم الأرض برغم أنني لا أمتلك أدنى فكرةٍ عن التخصص ولا عن الوظائف المتاحة للمتخصصين فيه ولا أي شيء آخر عنه لا من قريبٍ أو بعيد. 

كانت سنة الإعداد الجامعي في الظهران الصدمة الدراسية الأولى بحياتي. فبعدما كنتُ أحصل على الدرجات الكاملة في أغلب المواد، وجدت نفسي للمرة الأولى أصارع للحصول على درجات مقبولة. وفيما كنتُ من الثلاثة الأوائل طوال سنين دراستي، صرتُ أجد نفسي الآن طالبًا عاديًا لا ترتفع درجاته عن الآفرج إلا ما رحم ربي. وفوق كل ذلك، حتى بعد تأهلي للمرحلة النهائية مثلًا في أولمبياد الرياضيات بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن (أصعب جامعة منذ بدء الخليقة)، وحتى بعد ترشيحي للدخول في أولمبياد الكيمياء، وجدتُ أن دراستي للمواد العلمية أخذتْ منحى سلبيًا.كان من الطبيعي وقتها أن أدخل الاختبارات دون أن أفهم من مقرر الاختبار شيئًا. 

أنهيتُ سنة الإعداد الجامعي على هذا الحال، وسافرتُ لأمريكا لإكمال دراستي. لم يكن الوضع أفضل حالًا بكثير، إذ استمرت النتائج المخيبة للآمال منذ بداية الفصل الدراسي الأول. لم أكن أفهم وقتها ما يجري لي، ولم تفلح محاولات المقربين مني في معرفة الأسباب. بدا وأنها قصة تهاوٍ غير مبررة. كانت الفرضية الأقرب آنذاك هي أنني بلغتُ سقف قدراتي وبدأت الانكسار للأسوأ، وكنتُ شخصيًا أجد هذه الفرضية منطقيةً ومعبرةً عما أمر فيه. ولأن نتائج الفصل الدراسي الثاني لم تكن أفضل حالًا من الأول، بدأت أقتنع بأن الحظ تخلى أخيرًا عني.

أقول كل هذا بلا خجل ولا خوفٍ من أي إحراجات مستقبلًا، ولا يخفى على من يعرفني شخصيًا أنني أتكلم في هذه الأمور بتفاصيلٍ أكبر حتى. لكنني لا أقوله من باب الفضفضة بقدرما أقوله لأنني لم أسمعه يوم كنتُ أعيش أسوأ مراحلي نفسيًا، يوم كنتُ حائرًا وأحاول فهم ما يجري دون أن أتمكن من الوصول لأي خيوط تعينني على ذلك. شعرتُ وقتئذٍ أنني أصارع نفسي والجميع دون أن أدرك تمامًا ماهية هذا الصراع. أعلم تمامًا أنني لستُ وحيدًا فيما مررت به.

بدأ بصيص الأمل يلوح في صيف السنة الجامعية الأولى. أخذت تاريخ المسرح الغربي ومدخلًا لعلم النفس بوصفهما خيارين متاحين ضمن المقرر الدراسي. بدت الفوارق بين شعوري إزاء هاتين المادتين وشعوري إزاء كل ما قبلها تتضح من أول الأيام. وجدتُ نفسي أجلس في الصفوف الأولى كيلا أفوت على نفسي أي شيء. ووجدتُ نفسي أشارك في النقاشات الدائرة وأتجاوز المنهج المقرر للاطلاع على كل ما يثير اهتمامي. بل وجدتُ نفسي أتواصل مع البروفسورات خارج وقت الحصة لفهم ما أشكل عليّ. بدأت أتساءل حينها عما إذا كنتُ قد اخترت التخصص الذي يناسبني، التخصص الذي لم يثر اهتمامي طوال ثمانية شهور إلا في بضع مواضيع وحسب. وبدأت كذلك أتساءل عما إذا كنتُ متهيئًا فعلًا لوظيفةٍ يكون هذا التخصص عمادها. 

لن أخوض في كل تفاصيل السنين الثلاثة التي تلت، وسأكتفي مبدئيًا بقول أنني تخرجتُ في 2014 ببكالوريوس في علم الأرض وتخصص ثانوي في التاريخ. أهمية التخصص الثانوي لا تكمن في كونه مفتاحًا للهياط أحيانًا وحسب، بل في كونه قد أوقد بقلبي شعلةً جديدةً لم أعلم بوجودها قبلًا. تشترط قوانين التعليم العالي بتكساس فرض ست ساعاتٍ دراسية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، أي ما يعادل مادتين. بدت مادة التاريخ الأولى ككل سابقاتها أثناء دراستي، إذ تمحور المقرر حول الأحداث والتواريخ والأفراد وما إلى ذلك. لم يكن بهذه المادي أي شيء مميز، وانتهت دون أن تترك أي أثرٍ على نفسي. وفيما كنتُ أعتقد أن المادة الثانية ستكون هي الأخرى شبيهة بها، فوجئتُ بأنها عالم آخر تمامًا. درّس المادة أحد الجنود السابقين المشاركين في الحروب الأمريكية (أظنه شارك في حرب كوريا، ولكنني لستُ متأكدًا). جعلته هذه التجربة يمتلك أفكاره الخاصة حول السياسة الخارجية الأمريكية ودور الحكومة في تضليل الرأي العام. وبالإضافة للتحولات التاريخية المعتادة في السرد التاريخي التقليدي، ركز البروفسور على ظواهر تتجاوز الفضاء السياسي المباشر، على تحولات اجتماعية إقليمية وعالمية تتأثر بها أبسط تفاصيل الحياة اليومية. كنتُ أجلس كل حصةٍ مشدوهًا بما أرى وأسمع وأقرأ، ولم أشعر بالدقائق وهي تمر قبل أن يعلن البروفسور انتهاء الحصة رسميًا. كان من المنطقي أن أسعى حينها لتجارب مماثلة. ولذا، بعد أسابيع من بداية الفصل الدراسي نفسه، قررتُ أن أتقدم رسميًا لقسم التاريخ بطلبٍ لنيل تخصص ثانوي في التاريخ.

للحصول على التخصص الثانوي، كان يتوجب عليّ أخذ ثلاث مواد إضافية في التاريخ. قررتُ أخذها في تاريخ أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وتاريخ العلاقات بين أمريكا وأمريكا اللاتينية، وتاريخ عصر النهضة والإصلاح بأوروبا. في أولى هذه المواد، قرأت مهد القطة ضمن المنهج المقرر، وهي الرواية التي أيقظتني من سباتٍ قرائي ما زال قائمًا. في ثانيها، بدأتُ أدرك الوجه الآخر للتاريخ الأمريكي بشكلٍ أكبر. في مادة تاريخ عصر النهضة والإصلاح، تيقنتُ أن شغفي للعلوم الإنسانية ليس مجرد نزوةٍ وليس مقتصرًا على التاريخ وحسب. 

كانت كل هذه التغيرات تسير بوتيرة متسارعة. فجأة وجدتني كمن صار يستكشف تفرّع الطرق التي لم يلحظها سابقًا. وفيما كنت قد بدأت بالفعل تخصيص وقتٍ أكبر للقراءة، صادف في نهاية الفصل الدراسي الجامعي الأخير أنني أصبتُ بتمزق منعني من ممارسة الكرة أو أي رياضة أخرى، وهذا ما أعطاني متسعًا من الوقت لمتابعة شغفي الذي أخذ يتبلور يومًا بعد يوم. تجسد هذا الشغف لاحقًا في الالتحاق ببرنامج الماجستير بالآداب الحرة.

كانت هذه إجابة طويلةً حول ما إذا كان الانتقال من علم الأرض للآداب شطحةً أم لا. من الجلي أن الآداب بحد ذاتها لم تكن نقلةً جوهرية كما قد يخيل للبعض، بل أزعم أن علم الأرض أقرب لأن يكون هو الشطحة في سياق تجاربي. إلا أن هذه الإجابة لا تفي بالغرض فيما يتعلق بالاستفسارات الأخرى حول صعوبة تغيير التخصص أو التكلفة أو غيرها من المصاعب. من البديهي أن تكون تجربتا الدراسة مختلفتين جذريًا، ولذا يستحيل عليّ تقديم إجابة وافية دون التعريج على العديد من التفاصيل والاستطرادات. سأحاول في السطور القادمة الاختصار ببعض النقاط الرئيسية.

ماجستير الآداب الحرة

في ديسمبر ٢٠١٨، أتممتُ رسميًا كل متطلبات شهادة ماجستير الآداب الحرة من جامعة جونز هوبكنز. التحقتُ بالبرنامج في مايو ٢٠١٦، واستغرق إتمامه سنتين ونصف. لمن لم يسمع بتخصص الآداب الحرة (Liberal Arts) من قبل، يمكن تعريف التخصص بأنه تخصص إنساني ذا جوهرٍ بَيْنِيّ يهدف إلى تكوين ذاتٍ قادرةٍ على رؤية الأمور في تشابكها. الآداب الحرة بحد ذاتها موجودةٌ منذ العصور اليونانية والرومانية الكلاسيكية، حيث كانت تشير بشكلٍ عام إلى المجالات التي تليق بالأحرار. اشتملت هذه الآداب قديمًا على سبعة آداب مقسمةٍ إلى قسمين. هناك الآداب الصغرى إن صح التعبير، وهي تشمل النحو والمنطق والبلاغة. وهناك الآداب الكبرى، وهي تشمل الحساب والفلك والهندسة والموسيقى. 

ماجستير الآداب الحرة لا يختلف كثيرًا عن هذه الفكرة القديمة، إذ يشتمل في بنيته على مختلف المجالات الإنسانية من تاريخ وفلسفة وسياسة وأدب وموسيقى ومسرح وغيرها. لا يوجد في البرنامج تخصص معين ولا مسارات فرعية، ولكل طالب الحرية في اختيار المواد التي يبتغيها كما يشاء دون أي قيود. 

في البرنامج الذي انضممت إليه، كان هناك ثلاثة مسارات:

  • تسعة مواد وبحث
  • تسعة مواد وفترة تدريب
  • عشرة مواد وبورتفوليو

شخصيًا اخترت المسار الثالث لأنني كنت أحاول استغلال الفرصة لأجل النيل بأكبر قدرٍ ممكن من المقاربات الأكاديمية لبعض المواضيع التي تهمني. وفيما لا يمكنني حصر جميع المواد المعروضة في البرنامج، سأورد أدناه المواد العشر التي أخذتها:

  • الاستشراق والاستغراب: التاريخ الوجيز لوهمين
  • صعود واضمحلال الحضارات: من الإمبراطورية الرومانية حتى البريكست
  • الفلسفة السياسية الغربية
  • الفكر السياسي الأمريكي
  • العرق والتعددية في المجتمع الأمريكي المعاصر
  • البلدونغزرومان بوصفها جنسيًا أدبيًا
  • ما هو التاريخ؟
  • المدرسة والمجتمع
  • غَدُ الأمس: المستقبل اليوتوبي والديستوبي في أدب الخيال العلمي
  • أرسطو وهوبز

فيما كان لكل مادة طريقتها الخاصة، تتمحور الواجبات الأسبوعية والنقاشات والأبحاث على القراءة والكتابة المكثفتين. لم تكن هناك أي اختباراتٍ بالمفهوم الشائع في هذه المواد، إذ حتى ما سُمي بالاختبار النصفي أو النهائي كان مقاليًا (كأن يُطلب منا الإجابة على سؤالٍ معين في خمسة صفحات).

يعطى الطالب من سنتين إلى خمس سنين لإتمام البرنامج كاملًا، حيث يمكن حذف بعض الفصول (٣ كحد أقصى) حين تستدعي الضرورة، دون أن يحسب فصل الصيف الدراسي واحدًا منها.

“بس ليش؟”

على الرغم من بساطة هذا السؤال، لا يمكن الإجابة عنه بسهولة. حين أنهيت مرحلة البكالوريوس، صممتُ على نيل ماجستير في إحدى المجالات الإنسانية. وفيما كنت أدرك رجاحة التاريخ على غيره، كنت أفكر بمجالات أخرى من قبيل الأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة واللسانيات والأديان وغيرها. أدركتُ تشعّب اهتماماتي مذ وجدتُ نفسي مشدودًا لها أثناء دراستي. وبالإضافة لتشعب الاهتمامات هذا، أخذت بعين الاعتبار أن القبول الجامعي سيكون صعبًا عطفًا على أدائي في البكالوريوس، ولذا كنت أحاول في الوقت نفسه تكوين سيرةٍ ذاتية تعوض كل ذلك.

حين عثرتُ على ماجستير الآداب الحرة، بدا كما لو أنه حلمٌ يتحقق. فعلاوةً على كونه بينيّا، وجدتُ فيه إضافةٍ قوية لسيرتي الذاتية في حال تقدمت بطلب الالتحاق بماجستير في أحد المجالات التي تثير اهتمامي. والحقيقة أنني كنت أعتبره في البداية مجرد وسيلةً نحو هذه الغاية، وكنت أترقب اللحظة التي أنهيه فيها كي أتقدم بطلب للالتحاق ببرنامج الماجستير في التاريخ المعاصر. وفيما لا أقول أن هذه الرغبة تبددت حاليًا، إلا أنني لا أقول أن ماجستير الآداب مجرد وسيلة. كان البرنامج مثريًا بحق، وكل محاولةٍ لتوصيف آثاره الإيجابية ستبوء بالفشل والاختزال المجحف.  

ومن الضروري التنويه على أنني بادرتُ بكل هذا رغبةً في إشباع ذاتي المعرفية وحسب، أو هكذا أظن. لم أتأمل فيما سيضيفه ماجستير الآداب لحياتي الوظيفية، ولم أفكر بشكلٍ حقيقي في الانتقال لوظيفةٍ جديدةٍ بعد الحصول عليه أو حتى بعد الحصول على ماجستير في التاريخ مستقبلًا. 

بالقلب لا بالقالب

يتوفر برنامج ماجستير الآداب الحرة في جونز هوبكنز بشكلين: تقليدي (أي فصلي) وعن بعد. بحكم كوني على رأس العمل، سلكتُ بطبيعة الحال مسار الدراسة عن بعد. سئلتُ كثيرًا عما إذا كانت الدراسة عن بعد أسهل من نظيرتها التقليدية أو عما إذا كان التوفيق بين الدراسة والالتزامات الأخرى بتلك الصعوبة. وسئلتُ أيضًا عما إذا كانت الشهادة معتمدة بحكم كونها عن بعد. 

الحقيقة أنني لا أمتلك جوابًا نهائيًا على السؤال الأخير، فشهادتي لا تحمل أي إشارةٍ لكونها أُخِذتْ عن بعد، ولا أدري ما إذا كانت الشهادة نفسها قابلة للاعتماد في أوساطنا. كل ما أعرفه أن المؤسسة التعليمية المانحة لماجستير الآداب الحرة معتمدة، وأنه لا فرق في كونه أخذ عن بعد أو بشكله التقليدي.

هل كانت الدراسة أسهل؟ لا أدري. لم تكن المواد سهلة، وفي غالب الأحيان كانت المتطلبات أكثر مما تصورتُ في البداية. لكن في الوقت نفسه، كنتُ أقتصر في دراستي على الأمور التي تثير اهتمامي فقط، أي أنني أبديتُ استعدادًا مسبقًا للخوض في تفاصيل الأفكار والثيمات المطروحة. هذا ما جعل الأمر أهون بكثير مما سيكون عليه لو كنت مُجبرًا على البرنامج. سأعود لهذه النقطة في النهاية بتفصيلٍ أكبر حين أتناول النقلة من العلوم للآداب.

مسألة التوفيق بين الدراسة والالتزامات الأخرى لم تكن بتلك السهولة، خصوصًا في الشهور الأخيرة من البرنامج. شبح مثلث الدراسة-العمل-العائلة أخذ يتعاظم حين اقتربت من إنهاء المتطلبات. ضغط الدراسة يعتمد بشكلٍ كبير على طبيعة المادة، ولم تكن الواجبات والمتطلبات متساوية أو ما أشبه. وفيما يتعلق بالعمل، حالفني الحظ بأن تساعدني طبيعة عملي أحيانًا على أخذ إجازة أسبوعٍ بعد أسبوعي عملٍ متواصلين. مكنتني هذه الإجازة من إتمام العديد من الأمور التي لم يكن ليتوفر لي إتمامها لولا وقت الفراغ فيها. أما الالتزامات العائلية فقد كانت العامل الأصعب. بدأتُ البرنامج يوم كانت زوجتي على مشارف إنهاء شهادتها البكالوريوس بأمريكا. هذا يعني أنني كنتُ شبه متفرغٍ بعد ساعات العمل. لكن ذلك لم يدم طويلًا. خلال أشهرٍ من بداية البرنامج، فتح ابني وافي عينيه على الحياة. كان التنقل بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم العودة للاستقرار هنا أمرًا بالغ الصعوبة في كثيرٍ من الأحيان، إذ لم يتسن لي وقت كافٍ ولا طاقةٌ كافية لإتمام المتطلبات على أكمل وجه. وكلما أخذ وافي يكبر ازدادت المسؤوليات تباعًا، ومن سوء حظي أن مسؤولياتي بالعمل زادت في الوقت نفسه.

لكن برغم كل ذلك، لو يعود بي الزمن مجددًا لسلكت الدرب نفسه. لستُ نادمًا على الوقت والمال والجهد الذين بذلتهم في سبيل إشباع بعض شغفي. أظنني مستعدًا لا لخوض التجربة مجددًا وحسب، بل لبدء تجربةٍ مماثلة في برنامجٍ آخر.

التكلفة المادية

لما بدأت البرنامج، كانت كل مادة تكلف تقريبًا ٢٥٠٠ دولار (ما يقارب الـ٩٤٠٠ ريال). لكن التكلفة تزداد سنويًا، وأثناء كتابة هذه المقالة كانت كل مادة تكلف ما يقارب الـ٢٨٠٠ دولار (١٠٥٠٠ ريال). كلفني البرنامج شخصيًا ما يقارب الـ١٣٥ ألف ريال موزعةً بين تكاليف المواد وتكاليف الكتب (لا أجيد القراءة الإلكترونية، واشتريت كل الكتب الضرورية ورقيًا). وفي الفصل الدراسي الأخير، حصلتُ على منحةٍ دراسيةٍ بقيمة ٨ آلاف ريال، مما ساهم في تقليل التكلفة قليلًا.

أظن هذا الاستعراض الوجيز عن البرنامج وآليته كافٍ، والوقت الآن مناسب للخوض في الفوارق بين تجربتي البكالوريوس والماجستير والصعوبات التي لازمت إكمال دراستي.

التعليم vs.التعلم

الفارق الجوهري الأول يمكن اختزاله في الفرق بين ما يمكن تسميته بالتعليم وما يمكن تسميته بالتعلم. أعني بالتعليم كل ما كان مصدره خارج الذات، وبالتعلم ما كان نابعًا من داخلها. أثناء دراستي البكالوريوس، بدا لي كما لو أن كل شيء يبدأ من الخارج ويحاول إيجاد طريقه إليّ (دون جدوى في أغلب الأحيان). ففيما كان يمكنني اختيار بعض المواد التكميلية ضمن قسم علوم الأرض، أجبرتُ على أخذ العديد من المواد التي لم يكن لدي أدنى اهتمامٍ بها. لا أقول أنني غير مهتم إطلاقًا بعلم الأرض، ولكنني لم أكن أستطيع فهم المواد التي آخذها ضمن أي سياق خارج الشهادة نفسها، إذ خلت حياتي حتى تلك اللحظة من أي تجارب تجعل المقررات الدراسية ذات صلةٍ بي. لو أنني بدأت العمل في منصبي الحالي بلا شهادةٍ ثم سعيتُ للحصول عليها لكانت التجربة مختلفة جذريًا.

كانت مرحلة الماجستير على العكس من ذلك. أولًا، أتيحت لي فرصة اختيار كل المواد التي أريدها دون أن أجبر على أي مادة. حرية الاختيار هذه أغلقت الأبواب عن أي شعورٍ بالضغط الخارجي، إذ أتيحت لي فرصة استكشاف اهتماماتي وكل ما يتعلق بشغفي، وكان هذا خير دافعٍ لأكون أنا سبب الضغط الوحيد لإتمام البرنامج على أكمل وجه. وبالإضافة لكل ذلك، أدت الحرية ذاتها إلى تطوير حس داخلي بالسياقات المتقاطعة والمتشابكة لما قد يبدو منفصلًا في الظاهر. لا أعني بذلك تكامل المجالات الأكاديمية وارتباطها الجوهري ببعضها وحسب، بل أعني أيضًا بدء تمييز التفاعل المستمر بين ما هو فرديّ وما هو جماعي، وبالتالي محاولة قراءة الظواهر بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأفراد والتفاعلات الناشئة بينهم. صارت كل مادةٍ تبدو كما لو أنها جزءٌ من همومي الشخصية مهما تباعد موضوعها عن ظروفي المباشرة.

بين الفترة والأخرى، أتخيل كيف ستكون حياتي لو أنني تخصصتُ منذ مرحلة البكالوريوس فيما أحب، وأنا متأكد أن الكثيرين يراودهم الخيال نفسه. أحيانًا أقول أنه كان سيؤدي إلى بنيةٍ معرفيةٍ أفضل بحكم أن الوقت الذي سأقضيه في الاطلاع على المصادر المتعلقة بما يهمني أكبر. وفي الوقت نفسه، أخلص أحيانًا لكون الأفكار التي تشغل بالي حاليًا وليدة الظروف التي مررتُ بها من الأساس، أي أنه استقرار بعض الجوانب الحياتية ومرارة التجربة التي خضتها أتاحا لي فرصة التركيز على مجالات شغفي من وجهة نظري الحالية بلا ضغوط. مهما حاولت إقناع نفسي أن دافعي الذاتي وشغفي كافيين للوصول لما أنا عليه الآن مهما كانت الظروف، أتراجع عن محاولة الإقناع هذه وقتما تأملت الظروف فعلًا.

التعليم البنكي vs.التعليم النقدي

أبني هذه النقطة على سابقتها، سوى أنني تناولها من زاوية النظام بدلًا من الفرد. أدين للمفكر البرازيلي باولو فيريري بكل ما يتعلق بأساسيات هذه الفكرة، خصوصًا كما طرحها في كتابه “بيداغوجيا المضطهدين.” يمكن القول أن الفكرة تشير بشكلٍ عام لفلسفتي تعليم متمايزتين: الفلسفتان البنكية والنقدية. في فلسفة التعليم البنكية، يُعامَل الطالب كما لو أنه وعاءٌ فارغ ينبغي ملؤه وحشوه بالعلم والمعلومات. ولأن الطالب جاهلٌ بالضرور، فهو يفتقر لسلطة تقرير ما ينبغي عليه تعلمه، ويُجبر على دراسة ما يعتقد النظام التعليمي أنه أفضل له. يمكن اعتبار كل المناهج الدراسية النظامية قائمةً على فلسفة التعليم هذه، إذ تفترض مسبقًا أن جميع طلاب مرحلةٍ دراسيةٍ معينة متساوون في الجهل بموضوعٍ ما، وتفرض عليهم المرور بسلسلةٍ من الدروس والمواد التي لا خيار لهم في إلغائها أو تغييرها بأي شكلٍ من الأشكال. إحدى التجليات أيضًا لهذه الفلسفة هو الشكل التقليدي لعملية التعليم، حيث يحتشد الطلاب أمام المعلم ويتلقون حكمته وعلمه، ولا خيار لديهم سوى حل الواجبات وأداء الاختبارات كما يُملى عليهم.

في المقابل، تنطلق فلسفة التعليم النقدي من مبدأ أن الحياة هي أفضل مدرسةٍ –إن صح التعبير-. بدل التركيز على المقررات والمناهج والمواد التي لا علاقة لها بالأفراد مباشرةً، ينبغي البدء من الظروف الحياتية والمشاكل التي يواجهها الطلاب والتوجه نحو محاولة فهمها (ومن ثم تغييرها). ولأنها تحارب التلقين وتشجع على التفكير الذاتي، تركز فلسفة التعليم النقدي على النقاش وتبادل وجهات النظر حول مشكلةٍ معينة. الهدف من وراء هذه النقاشات ليس إضاعة الوقت أو صقل الحجج البرهانية (كبعض المقاهي “الفلسفية”)، بل تنمية المهارات التواصلية وتبادل التجارب والقراءات المختلفة حول مشكلةٍ حياتية واقعية.

من السهل استنتاج أن بنية برنامج الآداب الحرة بحد ذاتها تركز على الفلسفة النقدية. تشترط أغلب مواد البرنامج حدًا أدنى من مشاركة وجهات النظر والآراء حول ثيمة الأسبوع على البلاكبورد، وكثيرًا ما شجع البروفسورات على التفكير والتأمل الحرّين غير المقيدين بمصادر المقرر مباشرة. ومن الضروري التنويه أيضًا أن مصادر الاطلاع وزوايا المشاركة هي الأخرى بحد ذاتها مفتوحة جدًا، ولطالما أتاح البحث النهائي في ختام كل مادةٍ فرصةً لاستكشاف موضوعٍ مرتبطٍ بثيمات المادة من وجهتي نظر بحثية ونقدية دون الاتكاء على الآيديولوجيات المسبقة. وعلاوة على ذلك، فتح تعدد خلفيات الطلاب الثقافية في بعض المواد البابَ للتعرف على أطرٍ فكرية مغايرة تتناول ذات الأفكار أو الظواهر من أبعاد مختلفةٍ كليًا. كل هذا أدى للقراءة وإعادة القراءة (بالمعنى العام للكلمة) بشكلٍ مستمر، وأفضى لزعزعة القناعات الجامدة فيما يتعلق بمقاربة ونقد الظواهر.

من العلم إلى الآداب

يتبقى سؤالان أخيران متعلقان بالنقلة من علم الأرض إلى الآداب: هل كانت هذه النقلة صعبة بحكم عدم التخصص؟ وما الصعوبات الأكاديمية التي واجهتها؟

شخصيًا لم أشعر أنها نقلة صعبة، وذكرت أعلاه كيف كنتُ مهتمًا حتى قبل بدء البرنامج ببعض مواضيع المواد التي أخذتها. هذا يعني أن شعور الغربة والغموض كانا غائبين في معظم الأحيان، ولم أواجه أي صعوباتٍ تذكر في المحتوى بحكم بنية البرنامج البينية. لكن لا أزعم أنني كنتُ جاهزًا لكل شيء تمامًا. قبل بداية أي فصل، كنت أراسل بروفسور المادة سائلًا عن توصياتٍ بمصادر قد تعينني على تكوين خلفية معرفية-مدخلية أمتن فيما يتعلق بالمادة، خصوصًا وأن أغلبها جديدٌ عليّ. على سبيل المثال، بحكم أنني لم أدرس الأدب سابقًا، استفدتُ كثيرًا من توصية البروفسورة بالاطلاع على تشريح النقد لنورثوب فراي وبعض فصول نظرية الرواية: مقاربة تاريخية بتحرير مايكل مكيون. لولا هذا الاطلاع لما تمكنتُ من فهم كثيرٍ من الأوراق النقدية عن الأعمال التي قرأناها ضمن المقرر.

ولعل الصعوبة الأخرى التي تستحق الذكر متعلقة بالنقلة من متطلبات طالب بكالوريوس إلى متطلبات طالب ماجستير. قبل أن أتقدم بطلب القبول في البرنامج، كنتُ أتساءل عما إذا كنت أتخذ قرارًا صحيحًا عطفًا على مستواي السيء في مرحلة البكالوريوس. كان الهمّ الرئيسي وقتئذ متعلقًا باستعدادي الشخصي للالتزام بمتطلبات البرنامج. فبعد التجربة السيئة، قد لا تكون مقاعد الدراسة (حتى عن بعد) مناسبةً لي لا من قريب أو بعيد. 

لكن الحقيقة أن المواد المعروضة في البرنامج كانت شهية للدرجة التي دفعتني لتجاهل كل هذه التساؤلات المحبطة، وتقدمت بطلب الانضمام وقُبلت دون أي مشاكلٍ تذكر. لكن منذ الأسابيع الأولى بدا وكأن جاهزيتي موضع شك بالفعل. كنت آخذ مادة الاستشراق والاستغراب في صيف 2016. فصول الصيف الدراسية أقصر من بقية الفصول، مما يعني بطبيعة الحال أن أعباء المتطلبات كانت أكثر. ولكن بالرغم من كل ما ذكرته، لم يبارحني الشعور بعدم الجاهزية. كان متوقعًا منا قراءة ما بين 250-400 صفحةٍ أسبوعيًا وكتابة مقالةٍ (ألف كلمة إن لم يخب ظني) حول قراءات الأسبوع، بالإضافة للمشاركة الأسبوعية على البلاكبورد. لطالبٍ لم يقم بأي شيءٍ شبيه بهذا خلال سنين حياته الأربع والعشرين وشهادته البكالوريوس العلمية، بدا بأن الوضع لا يُطاق. كنت عاجزًا عن الحصول على أي Aفي المقالات الأولى مهما حاولت، وشعرتُ وأن سقف مستواي وقدراتي الحقيقيين أقل بكثير مما توقعت. لكن بعد تجاوز هذه المرحلة المبدئية والصعوبات في التأقلم على النظام الجديد، اكتسبتْ القراءات والكتابات المكثفة متعة لا مثيل لها. بغض النظر عن ضيق الوقت او الالتزامات، حاولتُ ألا أتقاعس عن الاطلاع على أي مصدرٍ مهما كلفني ذلك من سهرٍ أو تقليل ساعات نومي، وضحيتُ بحياتي الاجتماعية في سبيل إكمال كل شيءٍ على أكمل وجه دون أن أشعر بالأسى.

كانت النتيجة أنني لم أحصل في أي مادةٍ على أقل من A(تبدأ الـAمن نسبة 94-98، والـA+من 98-100). أقول هذا لا لأهايط وحسب، بل لأضع مسألة بذل الوقت والجهد في سياقها، خصوصًا وأنني أدرك كون الدرجة النهائية عند الكثيرين معيارَ كل شيء. أما بالنسبة لي شخصيًا، فيكفيني بعد تجربة البكالوريوس المريرة والإخفاقات المتكررة سابقًا أنني أثبت لنفسي قدراتها وقتما تهيأت لها الظروف.

حاولتُ في هذه المقالة استعراض العناوين الرئيسية للتجربة دون إغفال أي شيء. كلي آملٌ أن يجد أحدٌ ما في هذه المقالة ما يبعث على الأمل أو ما يشجعه على المضيّ قُدُمًا. نولد في ظروفٍ لم نخترها، ونواجه صعوباتٍ غير محسوبة، ونُجابه بتحدياتٍ لم تهيئها لنا نشأتنا. ولكن رغمًا عن كل ذلك، نتمسك بالأمل ونواصل المسير نحو تلك الغاية، نحو ما ندرك في دواخلنا أننا قادرون عليه، نحو ما نعلم أنه مفتاحٌ لذواتنا قبل أن يكون مفتاحًا لغيرها. كنت أعتقد بمجرد مزاولتي للعمل أن غالبية أحلامي أخذت تتلاشى، وأن الوقت فات لإكمال الدراسة فيما أحب والسعي وراء شغفي بحرية. تبدو تلك الأحلام اليوم أقرب مما كانت عليه في أي فترةٍ سابقة.