“وصمت سامي لحظة ثم أردف: 
مهما يكن من أمر، فسأقدمك إلى ليليان. وأنت حاول أن تعجبها، فتظفر بها بعد ذهابي.” [i]

هكذا جرت المحادثة بين سامي وبطل “الحي اللاتيني”، رواية سهيل إدريس المنشورة عام ١٩٥٣م. قبل سطور من هذه الدعوة للظفر بليليان، قال سامي للبطل أيضًا: “اسمع! إنني أنتظر هنا فتاة فرنسية جذابة”.[ii]هذه الفتاة الفرنسية الجذابة هي بالطبع ليليان نفسها. وبعدها بقليل، يعود سامي لمخاطبة البطل قائلًا:

لا تمعن كثيرًا في خيالك. إنها هنا بقربك، فألق منذ الآن بصنارتك إن كانت قد أعجبتك.
واستدرك سامي يقول:
بل أرجئ ذلك إلى الغد. إنها الليلة لي!”[iii]

من السهل صرف النظر عن جنسانية هذه العبارات واعتبارها مجرد نزوةٍ لإحدى الشخصيات. نعم، سامي ذكوريّ، والمفردات التي يستخدمها في حديثه عن ليليان ليست إلا تعبيرًا عن ذكوريته ونظرته الجنسية عن المرأة بشكلٍ عام. في سياق صرف النظر هذا، تصبح عملية بناء شخصية سامي جزءًا من البنية الأدبية للنص، وبالتالي فلا يصح انتزاع العبارات من النص واستقراؤها كما لو أنها تمثيلٌ لوجهة نظر كاتبها بشكلٍ أو بآخر. بل أن هذه المحاولة بحد ذاتها أمرٌ ساذجٌ، إذ وقتها ستصبح كل شخصيات الرواية الأخرى ممثلةً للكاتب أيضًا، ولن يكون للشخوص الروائية أي معنى لا في “الحي اللاتيني” ولا أي عملٍ آخر.

والحقيقة أن وجهة النظر هذه سليمةٌ إلى حد ما. القول بأن شخصيةً ما تُمثّل الروائي –ومن ثم محاكمته على أقوالها وأفكارها- أمرٌ ساذج. إلا أن لوجهة النظر هذه حدودها كذلك. فكما أنه لا يصح محاكمة الروائي عطفًا على مقولات إحدى شخصياته، من غير المنطقي أيضًا ادعاء انفصال الشخصيات التام عن كاتبها. أن تمارس شخصية سامي ذكوريتها شيء، ولكن أن تتكرر الأفكار والمفردات الذكورية في حوارات الشخصيات الأخرى، بل أن تكون الذكورية جزءًا من أسلوب السرد نفسه، فهذا بلا شك مدعاةٌ للقلق. يمكن هنا أن نضع الحد المائز بين الروائي وروايته موضع التساؤل: إلى أي حدٍّ يمكن الفصل بين الاثنين؟ بشكلٍ أدق، يمكن صياغة التساؤل من زاويةٍ أخرى: أين يرتسم الحد بين الأدب وسياقاته؟

في سبيل محاولة الإجابة على هذين التساؤلين، سأتناول في السطور القادمة ثلاث نقاطٍ مستلهمة من “الحي اللاتيني”. سأتطرق في النقطة الأولى لثنائية الشرق والغرب أو الصراع بين التخلف والحضارة في الرواية، وسأتطرق في النقطة الثانية لتنميط العلاقات والأدوار الجندرية في السرد، فيما سأحاول في النقطة الثالثة التطرق بشكلٍ سريع إلى الإشكالات المتعلقة بقراءة الأعمال الأدبية خارج أزمنتها.

إلا أن من الضروري قبل كل ذلك توضيح بعض الافتراضات التي تنطلق منها هذه المقالة، أو استعراض الأسس التي تقوم عليها بشكلٍ وجيز على الأقل. هناك افتراض رئيسي أول حول مشروعية قراءة الأعمال الأدبية خارج نطاقها الأدبي. أدرك تمامًا تفاوت الآراء حول هذه الافتراض، ولست هنا بصدد التفصيل في كل هذه الآراء. بالنسبة لي، كون العمل أدبيًا في المقام الأول لا يعني أنه أدبيّ وحسب. بعبارةٍ أخرى، يستحيل على البُعد الأدبي إلغاء بقية الأبعاد المشتملة في العمل بالضرورة. النص الأدبي –كغيره من النصوص- منتجٌ ثقافي له أبعاده اللغوية والتاريخية والثقافية والاجتماعية وغيرها. هذا ما يمكنني في هذه المقالة من تناول رواية “الحي اللاتيني” لا في أدبيتها، بل فيما تشتمل عليه من تنميطٍ للعلاقات الجندرية وإعادة إنتاج الخطابات الاستشراقية. سأعود لهذه النقطة مجددًا في نهاية المقالة.

ثانيًا، فيما يتعلق بالعلاقة بين شخوص الرواية وكاتبها، لا أزعم أن أيًّا من الشخصيات أو أن مزيجًا مجددًا منها ممثلٌ للكاتب بالضرورة. من الطبيعي في روايات السير الذاتية مثلًا أن يتشارك الكاتب والشخصية الرئيسية العديد من الأفكار، ولكن هذا لا يجعلني أوازي بين الاثنين. وقد يحدث كذلك أن تتجاذب الشخصيات أطراف الحديث حول موضوعٍ ما دون أن يمثل أي من آرائها رأي الكاتب نفسه. مسألة التمثيل ليست ذات أهمية بالنسبة لي فيما يتعلق بهذه الأمور.

ما أريد قوله، على الرغم من ذلك، أن انتفاء التمثيل لا يعني انتفاء العلاقة بين الراوي وشخصياته. هناك فارقٌ جوهري بين الاثنين. التمثيل اختيار واعٍ، إن صح التعبير، أي أن كاتب الرواية يختار للشخصيات أن تمثله أو تمثله جزءًا من نفسه. يمتلك الكاتب مطلق الاختيار في هذا الأمر. أما وجود العلاقة فهو أمرٌ خارج الاختيار، إذ ينبعث أصلًا من كون الشخصيات بحد ذاتها امتدادًا لذات الكاتب سواءً كان واعيًا بمدى هذا الامتداد أم لا. يمكن للكاتب أن يتلاعب بالشخصيات كيفما شاء، ولكنها تبقى وليدة ذاته. فحتى الشخصيات المستوحاة من الواقع لا تُقحم في النص إلا مُفلترةً بمخيلة الراوي.

ولأنني أزعم أن شخصيات “الحي اللاتيني” تتشارك نفس المروية والإطار الفكري والفلسفات الحياتية، فمن الصعب رؤية تلك الشخصيات بمعزلٍ تام عن كاتبها وعن الأفق الثقافي الذي عاش في كنفه. بل أزعم أن “الحي اللاتيني” بحد ذاتها شاهدٌ جلي على دور الأدب في ترسيخ وتكريس ذات الخطابات السلطوية التي تحاول الرواية نقدها. 

على ضوء هذين الافتراضين، يمكن الآن العودة إلى النقاط الرئيسية، والبدء أولًا بثنائية الشرق والغرب. بحسب إدوارد سعيد، يتعلق أحد مفاهيم الاستشراق بكونه “أسلوب تفكير ينطلق من تمييز أنطولوجي وإبتسمولوجي بين “الشرق” و (في أغلب الأحيان) “الغرب”.”[iv]هذا التمييز يعني باختصار اتخاذ مفهومي الشرق والغرب كما لو أنهما “نقطتا بداية” تنبني عليهماا “النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية” وغيرها.[v]

وفيما يركز إدوارد سعيد غالبًا على الاستشراق ممن لا ينتمون للشرق المزعوم، يمكن توسيع دائرة مفاهيمه لتشمل ما يسمى بالاستشراق الداخلي، أي عند “الشرقيين” ممن يستبطنون صور الشرق الغرب ويعيدون إنتاجها أو إنتاج أدواتها. 

في هذا السياق، يبدو بطل رواية “الحي اللاتيني” مستشرقًا داخليًا بامتياز. يتضح هذا من صفحات الرواية الأولى، إذ يقول صوت السارد (وهو مزاوجةٌ بين صوت بطل الرواية الداخلي والراوي العليم) واصفًا شوارع باريس:

“شوارع فسيحة ليس في بلاده، ولا في الشرق كله، مثلها جمالًأ ونظافة وانتظامًا”.[vi]

إذن، اتساع الشوارع الباريسية وجمالها ونظافتها وانتظامها ليس هنا أمرًا متعلقًا بالبنية التحتية لباريس ولا فرنسا، بل هو خاصية مرتبطة بثقافة الغرب: الشوارع كذلك لأن الغرب أجمل وأنظف وأكثر انتظامًا من الشرق. بعبارةٍ أخرى، شوارع أي مدينة غربيةٍ جميلة ونظيفة ومنظمة بحكم انتمائها للغرب. 
يعود السارد (أو صوت البطل الداخلي) بعدها بقليل ليقول أيضًا:

“أفيكون إطار الحياة في شرقك ذاك أضيق من أن تجدي فيه هذه التجارب؟”[vii].

ضيق إطار الحياة الذي يقدم منه البطل أمرٌ ليس متعلقًا بمجتمعه وحسب، بل هو الآخر خاصية شرقية. وعليه فإن النقيض منه، بلا شك، يكون اتساع إطار الحياة الغربي.

ولا تقتصر الرواية على الخصوصية الثقافية في العمران وضيق الحياة، بل هناك أيضًا “طهارة شرقية”[viii]، وامرأة شرقية تولّد منها “الخوف والحرمان والكبت والشذوذ والانطواء والخيال المريض”[ix]، وهناك دنيا شرقية[x]، وهناك “شرقي جوعان” يتحرق “للمس بشرة امرأة”[xi]، وهناك عادات شرقية سخيفة كالعناق بين الرجال حينما يلتقون (يعتقد البطل أن العناق يجب أن يكون كما يتصوره في الغرب بين رجلٍ وامرأةٍ)[xii]، وهناك شرق كامل محروم من نعمة المسارح التي “ينعم بها الناس في الغرب وينشدونها ويحرصون عليها”.[xiii]

أنبهك عزيزي القارئ أو عزيزتي القارئة على أن كل الأمثلة المذكورة حتى الآن تحضر في الربع الأول من الرواية وحسب، وقد اقتصرت على الاقتباسات التي ترد فيها مفردة “شرق” بصريح العبارة كي أبرئ نفسي من أي اتهامٍ بفهمٍ متحامل. بقية الصفحات تحمل ما هو أعظم.

ولو أن هذا الاستشراق الداخلي مقتصرٌ على بطل الرواية –سواء في حواراته أو في صوته الداخلي- لما كان الأمر ذا أهمية، إذ لن يتعدى كونه جزءًا من تكوين الشخصية نفسها، وهذا ما يحتجّ به أعداء التمثيل المزعوم. لكن الحقيقة أن المزاوجة في السرد بين صوت البطل والراوي العليم تجعل الصور الاستشراقية هذه جزءًا لا من تكوين البطل وحسب، بل من بنية السرد كذلك. بعبارةٍ أخرى، يصبح النص بأكمله احتفاءً بالصور والخطابات التي تمايز بين الشرق والغرب كما لو أنهما جوهران متناقضان. وبذلك يصبح الغرب محطة تقدمية على الشرق أن يجهد للحاق بركبها، ويصبح الطلاب الشرقيون المغتربون –كما في الرواية- مصدرًا للعار والإزعاج وخلو الحياة من المعنى. يضع الراوي هنا صورةً متخيلةً للشرق قبال صورةٍ متخيلةٍ للغرب، ومن ثم يرسم حدود الصورتين عبر المقابلة بين الثنائيات التقليدية التي ينادي بها الاستعماريون: حضارة وتخلف، تقدم ورجعية، عقلانية وروحانية، ثقافة وانحطاط.

كانت هذه الاستفاضة أعلاه مقدمة ضرورية جدًا للدخول في صلب النقطة الثانية، وهي التي أوحت لي كتابة المقالة في المقام الأول. بشكلٍ مختصر، أزعم أن “الحي اللاتيني” رواية ذكورية، أي أنها روايةٌ تستبطن مفهومين ذكوريين للرجولة والأنوثة، وأنها تكرس وتنمط نوعًا محددًا من العلاقات والأدوار الجندرية التي تُغلّب الرجل وتجعله متفوقًا بطبعه على المرأة. لئلا تحيرون في تتبع الطرح أدناه، سأقسّم هذه النقطة إلى قسمين. سأتحدث في القسم الأول عن جنسنة المرأة بشكلٍ عام في “الحي اللاتيني”، أي عن رؤيتها ككائنٍ مرتبطٍ بالشهوة الجنسية واختزال وجودها وفقًا لذلك. أما في القسم الثاني، فسأتحدث عن تنميط العلاقة بين الشخصيات الذكور والإناث من خلال هذه الجنسنة وما يتبعها من تكريسٍ للعلاقة الأبوية وما إلى ذلك. 

مع سطور الرواية الأولى، قد يتصور القارئ أو القارئة أن “الحي اللاتيني” رواية استكشاف ذاتٍ متمحورةٍ بشكلٍ رئيسي حول تغرّب بطلها وسفره لباريس سعيًا للحصول على شهادة الدكتوراه في الآداب. يبدو هذا التصور منطقيًا عطفًا على الاقتباس التالي مثلًا: 

“كأنما هم ألقوا أثقال الرصانة التي كانت ترهق أكتافهم في بلادهم، وشعروا شعورًا عميقًا بأنهم مدعوون إلى أن يسوقوا في باريس حياة منطلقة لا يحد من حريتها قيد، فاستجابوا لهذه الدعوة بكل ذرة من ذرات وجودهم، وخلفوا وراءهم أغلال ماضيهم”.[xiv]    

إلا أن السرد سرعان ما يكشف عن استكشاف ذاتٍ من طراز آخر:

“تبحث عنها، عن المرأة، تلك هي الحقيقة التي تنساها، بل تتجاهلها. لقد أتيت إلى باريس من أجلها”.[xv]

هنا يحق لنا أن نفترض مبدئيًا أن “الحي اللاتيني” ليست رواية استكشاف ذاتٍ بقدر كونها استكشاف شهوةٍ جنسية. لكن هذا الافتراض خطير. هل يوجد فيما تبقى من الرواية ما يدعمه ويشير إليه؟ الحقيقة أنه ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤال، فالرواية مليئة بالإشارات والتلميحات إلى الجاذبية الجنسية للشخصيات الإناث وشهوة البطل:

“كانوا بحاجةٍ إلى إحدى هاتيك الفتيات اللواتي…”[xvi]

“وأخذ ينقل نظره خفية بين الفتيات: سيمون وحدها، كانت الجذابة فيهن. أما سوزان وجانيت وهيلين، فكن فقط جميلات”.[xvii]

“وعلى شفتيها الريانتين شهوة تسيل”.[xviii]

“ونهضت تشع على شفتيها الممتلئتين بسمة رائقة”.[xix]

“إذن مرغريت هي صاحبة كامل؟ لا ريب في أنه ينعم بلذائذ جنتها الناضجة، إنه جدير حقًا بأن يُحسد. هذا الجسد، ذانك النهدان”.[xx]

“أسبوع طويل ينقضي، منذ قدمت إلى باريس، لم تلق فيه إلا الإخفاق إزاء المرأة. أية امرأة: أسبوع طويل ينقضي، وفي جسدك نار تلتهب، وفي مخيلتك ألف صورة وصورة لنساء عاريات، متمددات على السرير، يلسعن فكرك وجسمك بألف لسان من نار”.[xxi]

“أين المرأة؟ أين رائحتها المحيية؟!”[xxii]

“أما وجهها، فلم ير إلا الجانب الأيمن منه: وجه طفل تبرق منه عين زرقاء، وشفتان تلتمعان بحمرة شفافة”.[xxiii]

“ثم تحركت بمهل، فخلعت سترتها المشمعة، فإذا تحتها قميصٌ من الصوف الأخضر ينتفض لدى صدره، نهدان أرعنان”.[xxiv]

أعتقد أن من الضروري التنويه على أن كل الاقتباسات المذكورة في هذه النقطة حتى الآن موجودةٌ في الصفحات الثلاثين الأولى من الرواية البالغ طولها ٢٦٤ صفحة، فلكم أن تتخيلوا مقدار ما يرد فيما تبقى من الصفحات من جنسنة وشهوة. وما يزيد الطين بلة هو أن هذه الأوصاف لا تصدر من منظور الشخصيات الذكور وحسب، بل أنها تحضر عند الشخصيات الإناث كذلك. ففي وصف جانين مونرو، حبيبة البطل، تغزلت تيريز عاملة النظافة بجمالها ورشاقتها[xxv]، فيما تغزلت أخت البطل في شفتي جانين وجسمها المتناسق الذي قالت بأنه يشبه جسمها هي بعض الشيء[xxvi](obligatoryوتذفك).

قد يعترض أحدٌ ما قائلًا أن هذه الأوصاف جزءٌ من عملية السرد نفسها، أي أن من الطبيعي للرجل المفتون بامرأةٍ أن يتغزل في مفاتنها الجسدية، وبالتالي من الظلم وسم الأوصاف أو السرد بالذكورية. فلنسلم جدلًا بصحة هذا الاعتراض على الرغم من كل إشكالياته. ما زال في جعبة الرواية الكثير. ما أشرتُ إليه حتى الآن ليس إلا القسم الأول من النقطة الثانية.

ماذا عن القسم الثاني إذن؟ ما الذي يعقب جنسنة الشخصيات الإناث في الرواية؟ الحقيقة أن الجنسنة لا تأتي فرادى، بل يصحبها تصويرٌ جندريّ محدد لما هو رجولي أو أنثوي، وتصورٌ معينٌ عن طبيعة العلاقة بين الشخصيات الذكور والإناث (وهو جزءٌ من العلاقة “الطبيعية” بين الجنسين). يقول صوت البطل الداخلي متأملًا في “المرأة” الفرنسية:

“إن قصارى ما ينبغي له أن يفعل، هو أن يأخذها بين يديه، فيعصرها ويعصرها ويمتص كل حلاوتها، ثم يلفظها كما تُلفظ النواة”.[xxvii]

بعبارةٍ أخرى، بدل أن يحاول البطل تشبيك المرأة والعمل على نيل إعجابها، ما عليه إلا التمرس على “وقفة ليلةٍ واحدة”؛ التمرس على اكتساب قلبها لمضاجعتها بلا مشاعر. والحقيقة أن هذا التشييء الجنسي المرعب للإناث في “الحي اللاتيني” يرد في مواضع أكثر من أن تحصى، وهو تشييءٌ تتشاركه الشخصيات كلها بلا استثناء:

في مطلع المقالة أوردت الاقتباس من محادثة سامي وبطل الرواية، وفيه يقول سامي بأنه سيمتلك جسد ليليان في الليلة الباريسية الأخيرة قبل عودته للبلاد، وأن على بطل الرواية أن يحاول اصطيادها كي يتلذذ هو الآخر بها لاحقًا بعد عودة سامي.[xxviii]
ويستخدم صبحي مفردة مماثلة، إذ وصف ليليان يوم رآها تدخل الفندق مع البطل بأنها “صيد سمين”[xxix]ويتساءل بطل الرواية عما إذا كانت مرغريت إحدى تلك الفتيات اللاتي تحذره أمه منهن، أم أنها من الشريفات برغم استسلامها لها (أي أنها “وهبته جسدها”) من اللقاء الأول بينهما.[xxx]  
بل كان مدعاةً للضحك بالنسبة للبطل وأصدقائه أن يواعد صبحي زميلةً في كلية الحقوق وأن “يتزوّد” في الوقت نفسه من فتاة سويدية.[xxxi] 
وفؤاد لن يروى من المرأة أبدًا لأن حاجته إليها شديدة، “كحاجتي إلى الكتاب سواء بسواء”.[xxxii]
ولما سأل البطل أحمدًا عن صديقته، أجاب أحمد بأنها تركته لتعاشر زنجيًا من زنوج أفريقيا.[xxxiii]
وإذا لم تكن نوايا البطل وتشييؤه الجنسي واضحة من خلال كل هذا، يقوم هو بنفسه بالتصريح بها يوم التقى فرانسواز صديقة فؤاد:
“ولقيا فؤاد وصديقته حيث تواعدوا، فإذا فرانسواز، وهي أمينة إحدى المكتبات في باريس، فتاة على جانب كبير من جمال الوجه وجاذبية الجنس”.[i]هذا كل ما يهم بطلنا: الجمال والجاذبية الجنسية.

وفوق لكل ذلك، لا تحضر الشخصيات الإناث في ذاتية كل منها، إن صح التعبير، وإنما هي تجلٍّ لصورةٍ مثالية اسمها المرأة. وبطبيعة الحال، وجود صورةٍ مثاليةٍ للمرأة يقتضي وجود صورة مثالية للرجل أيضًا، ووجود نوعٍ مثاليٍّ من العلاقة بينهما.

ولذا، فالعلاقة بين الذكور والإناث في الرواية علاقة مالكٍ بمملوك، علاقة قوي بضعيف، علاقة طهارةٍ بدنس. هكذا هي العلاقة الطبيعية بينهما كما تصورها الرواية. فبالإضافة للاقتباسات المتمحورة حول امتلاك الجسد أعلاه، نجد أن فكرتي الطهارة والشرف تتكرران في كل مرةٍ يتأمل فيها البطل حال “المرأة” في “الشرق” وفي “الغرب” (أضع هذه المفردات بين علامات تنصيصٍ لأنها مرتبطة بالصورة المُتخيلة التي يحملها البطل عن المرأة وعن الشرق وعن الغرب). ونجد أيضًا أن بطل الرواية حانقٌ على جانين لأنها “سلمت جسدها إلى خطيبها”، لأنها “لم تكن بكرًا” حين عرفها.[xxxv]وقد أبدع جورج طرابيشي في وصفه لهذه الصورة قائلًا:

“وعبارة (تسليم) بالذات تنطق نطقًا مبينًا بأن جسد المرأة بضاعة، أو بالأحرى وديعة يجب أن تصل إلى صاحبها […] سالمة سليمة”.

[xxxvi]صاحبها هنا تشير إلى الرجل، إلى الصورة المثالية.

إلا أن مفهوم العلاقة هذا لا يحضر في مثاليته وحسب، بل يستبطن مفهوم قوة أو سلطة محدد. في هذا السياق، عطفًا على تصور البطل عن المرأة وطبيعة الأنوثة، يفرض الذكر هيمنته وسلطته كيفما يشاء متوقعًا أن ينال الإشادة على رجولته والأفعال الدالة عليها، ومتوقعًا كذلك أن يظفر في نهاية المطاف بجسد المرأة.

تتجلى أغلب أبعاد هذه الفكرة في الحادثة يوم تحرش البطل جنسيًا بالفتاة اليافعة الجالسة إلى جواره في السينما. يمكن تلخيص ما حدث كالتالي: يذهب البطل للسينما لمشاهدة أحد أفلام “الفئة المثقفة الواعية”. كان قد جلس بأحد المقاعد الوسطى، وكان المقعد إلى يساره في البداية خاويًا، فيما جلست على المقعد يمينه “عجوز شمطاء”. بعد بداية الفيلم بفترة جلست إلى يسار البطل فتاة يافعة، فما كان منه إلا أن “أسترخى في مقعده سعيدًا كالطفل، فرحًا بقرب هذه الفتاة التي يشعر بنكهة الفتوة تفيض من أردانها”. خلال الدقائق اللاحقة، قضى البطل وقته محاولًا أن يلامس يد الفتاة بطريقةٍ أو بأخرى، وقد انتهى به الأمر في نهاية المطاف إلى الإمساك بيدها بلا استئذان أو طلبٍ منها. “ثم تململت قليلًا بين أصابعه القوية فضغطها ببعض القسوة، فإذا هي تتطامن وتستسلم للضمة القاسية.” وأضاف البطل متأملًا: “أليس هذا دليلًا على أنها بدأت، هي كذلك تميل إليّ قليلًا؟” هذا ما حدا به لأن يطمع بالمزيد فيستقر بيده على ساقها، أن يتحسس نعومة الساق من فوق الجينز. ولم تحرك الفتاة ساكنًا “كأنما اعتادت ذلك”.

في نهاية الحدث، سلم البطل الفتاةَ ورقة تحتوي رقمه وتطلب منها لقاءه يوم غد أمام السينما. ولكنه قبل أن يعطيها إياها صار يفكر في أن هذه الفتاة التي لم تتجاوز السابعة عشرة كانت في الحقيقة “عاجزة عن عمل أي شيء” إزاء تحرشه، ومع ذلك لم يمنعه ذلك من محاولة مواعدتها ومن ثم الإصابة بخيبة الأمل حين لم تحضر الفتاة اليافعة للقائه:

“لماذا أعطته يدها في السينما، ولماذا تركته يلامس ساقها، ولماذا أخذت منه البطاقة، بل لماذا وعدته بأن تأتي، من غير أن يطلب إليها أن تعده بذلك؟”[xxxvii]

وضعت بعض مفردات الاقتباس بالخط العريض لأنها كفيلة بتوضيح عقلية المتحرش أكثر؛ هو لم يفعل أي شيء خطأ، وكل ما حدث بالسينما كان بسببها هي. من الجلي أنها هي ترغب بذلك
وكما أسلفتُ ذكرًا: لو أن بطل الرواية وحده من يبشر بكل هذه الأفكار لما كان للأمر تلك الأهمية. لكن أن تتشارك بقية الشخصيات والسرد نفسه ذات المروية مؤشر خطير.

يتبقى الآن التعريج بشكلٍ سريع على إشكالية قراءة الرواية (أو أي عملٍ) خارج زمانه. السؤال الذي أود الإجابة عليه هنا: هل يصح قراءة “الحي اللاتيني” وفق قيمنا المعاصرة؟ أو بشكلٍ أدق، ما معنى محاكمة الأفكار الواردة في النص على ضوء أسس وقيمٍ لا تنتمي لزمن النص؟

أعترف أن هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في سطور بسيطة، ومحاولة الإجابة عنها تقتضي بطبيعة الحال تناول الرواية والنص في سياقات أكبر مما قمت به هنا. وإني إذ حاولت بقدر الإمكان الابتعاد عن كل ما قد يشير إلى محاكمةٍ للكاتب من أي نوعٍ كانت، لا أخفي تحيزي ضد محاولات نزع السياقات السياسية عن نص الرواية أو عن أي نص. 

أجد نفسي هنا أمام تحدٍّ لتوضيح هذه النقطة. ولذا، سأعود أولًا لفكرةٍ ذكرتها في مقدمة المقالة: أدبية نصٍّ ما لا تعني انتفاء أبعاده الأخرى. هذه الأبعاد حاضرة بالضرورة، وسواء أراد النص الإشارة لها أم لا فلن تختفي ولن تنجلي. لا ينوجد النص إلا متضمنًا إياها، تمامًأ كما ينوجد الدجاج في أي كبسة دجاج. أي اختزالٍ للنص في أدبيته أو لغويته أو تراثيته أو أي بعد آخر ليس إلا احتكارًا نخبويًا مُفَلتِرًا للنص. 

لا يعني هذا أن كل النصوص متساوية الأبعاد أو أن تناول بعدٍ ما يقتضي تناول البقية. بعبارةٍ أخرى، لا يشترط التحليل الأدبي تحليل السياقات التاريخية ولا تقديم نقدٍ لفلسفة النص. ولكنه يعني –كما أشرتُ قبل قليل- إلى أن النص الأدبي لا ينوجد أدبيًا وحسب، بل هو مفتوحٌ على مصراعيه لكل قراءةٍ تستهدف احتمالاته الأخرى.

ما علاقة كل هذا بمحاكمة النص أو قراءته خارج زمانه؟ بشكلٍ عام، بما أن النص يشتمل على ما يقع وراء مقاصديته المباشرة، فمن الممكن بحث هذا “الما وراء” والكشف عن أطر المعنى المرتبطة به أيضًا. ولذا، حين يتمازج خطاب النص الأدبي بخطاب هيمنة، لا يمكن تجاهل هذا التمازج بحجة الأدبية والجمالية وغيرها من المفردات التي لا يمكن ضبطها دون إعادة قولبتها سلطويًا. 

إذن، يمكن في هذا السياق الحديث عن تكريس “الحي اللاتيني” لخطابٍ ذكوريٍ ما يزال مهيمنًا مذ نُشرتْ في خمسينيات القرن الماضي، كما يمكن الحديث عن إعادة إنتاجها للتنميطات الاستشراقية التي ترتبط بدورها بالخطابات الاستعمارية. وبالتالي، في سبيل مقاومة هذه الخطابات، لا بد من إعادة قراءة “الحي اللاتيني” خارج إطارها التقليدي.


[i]إدريس, سهيل. الحي اللاتيني. دار الآداب.ص٤٥.

[ii]المصدر نفسه.

[iii]المصدر نفسه، ص٤٦.

[iv]Said, Edward W. Orientalism. New York, Vintage Books, 2003, p. 10.

[v]المصدر نفسه

[vi]إدريس, سهيل. الحي اللاتيني. دار الآداب.ص٩-١٠.

[vii]المصدر نفسه، ص١٠.

[viii]المصدر نفسه، ص١٤.

[ix]المصدر نفسه، ص٢٥.

[x]المصدر نفسه، ص٢٦.

[xi]المصدر نفسه، ص٣٧.

[xii]المصدر نفسه، ٤٥.

[xiii]المصدر نفسه، ٦٣.

[xiv]المصدر نفسه، ص١٧.

[xv]المصدر نفسه، ص٢٣.

[xvi]المصدر نفسه، ص١٤.

[xvii]المصدر نفسه، ص١٩.

[xviii]المصدر نفسه.

[xix]المصدر نفسه، ص٢٠

[xx]المصدر نفسه، ص٢١.

[xxi]المصدر نفسه، ص٢٥.

[xxii]المصدر نفسه، ص٢٦.

[xxiii]المصدر نفسه، ص٢٨.

[xxiv]المصدر نفسه، ص٢٩.

[xxv]المصدر نفسه، ص١٤٨.

[xxvi]المصدر نفسه، ص٢١٠..

[xxvii]المصدر نفسه، ص٣٨.

[xxviii]المصدر نفسه، ص٤٦.

[xxix]المصدر نفسه، ص٥١. 

[xxx]المصدر نفسه، ٧٢.

[xxxi]المصدر نفسه، ص٨٧.

[xxxii]المصدر نفسه، ص١٢٢.

[xxxiii]المصدر نفسه، ص١٤١

[xxxiv]المصدر نفسه، ص١٤٤.

[xxxv]المصدر نفسه، ص٢١٥.

[xxxvi]طرابيشي، جورج. شرق وغرب رجولة وأنوثة. دار الطليعة. ص٨٤. 

[xxxvii]سهيل، إدريس. الحي اللاتيني. دار الآداب. ص٢٦-٣٧

ما رأيك بالمنشور؟