اعتدتُ نهاية كل عام من الأعوام الأخيرة إعادةَ تخيل شهوره قرائيًا. أُسائِل نفسي: لو طُلب مني اختيار اثني عشرة كتابًا بحيث يختزل كل منها شهرًا ميلاديًا، فأيّ مجموعة سأختار مما قرأت في العام المنصرم؟

أنهيتُ عام ٢٠١٩ قارئًا سبعةً وأربعين كتابًا ينتمون بشكلٍ رئيسي للأدبِ والفلسفةِ وعلم الاجتماع والفلسفة السياسية. وفيما يصعبُ تجنب الأبعاد الهياطية في أي استعراض للكتب المقروءة (وأنا لا أحاول في الحقيقة تجنب هذا الهياط)، من الضروري أيضًا رؤية ما تستثيره هذه الممارسةُ من تمرينٍ على استحضار آثار القراءات السابقة بعدما أكل الزمن بعض تفاصيلها. من الطبيعي مع مر الزمن أن تتلاشى بعض تفاصيل الكتب وأن تتعاظم أخرى، أن يتذكر القارئ سيرًا مُعينًا لسطور الكتاب حتى إن لم تُطابق الذكرى السيرَ الحقيقي لتفاصيل الكتاب. يصبح الاستحضار هنا أداةً يتمكن الفرد من خلالها تمييز ما بقيَ معه وما توارى. ولا يقتصر الأمرُ على ذلك وحسب، بل تُعطي الممارسة أيضًا فرصةَ تتبع التقلبات والتغيرات الفكرية عبر وضع تسلسلها بحد ذاته موضع المعاينة. هذا يعني أن الكتب تقتطع من سياقات قرار قراءتها المباشرة (كأن أقرأ الكتاب بسبب توصيةٍ أو لغرض معين) وأنها توضع ضمن إطار يحاول رسم الروابط بين القراءات المختلفة واستكشاف تأثير السابق على اللاحق وما إلى ذلك. لا تتجلى قراءات العام هنا بوصفها تجارب منفصلة، بل بوصفها تجارب شخصية مرتبطة ضمنيًا ببعضها البعض.

على كل حال، مقالة كهذه لا تحتاجُ مقدمة مستفيضة. في السطور القادمة مُلخص عامي القرائي مرتبًا زمنيًا:

أنهيتُ قراءة الكتاب في منتصف يناير. أتذكر أنني وضعته على قائمة القراءة بعدما ورد كمصدرٍ في أحد الكتب التي قرأتها في العام الذي سبقه. وفيما نسيتُ اسم الكتاب أو دوافعي لقراءته، أتذكر ورود اسم الفلسفة ما بين السطور في سياق نقد مفهومي الفلسفة والتفلسف بحد ذاتهما. كانت هذه الفكرة تشغل بالي حينها، وهي أحد الأسس التي انبنت عليها هذه المدونة في المقام الأول (المقالة الافتتاحية تشرح هذه الفكرة بشكلٍ أفضل). وعطفًا على ذلك، كنتُ أخطط حينها للبدء بمشروع قراءةٍ نقديٍّ على مدى العام، وبدا أن الكتاب خير فاتحةٍ له. كانت هذه دوافع كافية للمباشرة بقراءة الفلسفة ما بين السطور. والحقيقة أنني وجدته أفضل بكثير مما توقعت. 
ينطلق الكتاب من التمييز القائم بين الفلسفتين الظاهرية والباطنية، أو الفلسفة بوصفها خطابًا نصيًا ظاهريًا والفلسفة بوصفها خطابًا نصيًا ضمنيًّا إن صح التعبير. يزعم آرثر ميلتزر أن تحولًا تاريخيًا وقع في شكل الخطاب الفلسفي مع نهاية القرن الثامن عشر بحيث صار الفلاسفة قادرين على طرح فلسفتهم دون الحاجة إلى توريتها وراء الحُجُب. ولأن استقبال الخطاب جزءٌ من تشكيله أساسًا، يقول آرثر أن فهمنا لنصوص الفلسفة أخذ هو الآخر ينحو للفلسفة الظاهرية في ذات آن انحسار قدرتنا على قراءة فلسفة ما بين السطور. بطبيعة الحال، رافق هذا التحول في شكل الفلسفة تحولٌّ في مفهومها. يعتقد آرثر أن مفهوم الفلسفة الجديد يعني النظر إليها بوصفها أداةً لتحسين المجتمعات، وهو مفهومٌ لا يتواءم مع مفهومها الكلاسيكي بوصفها حب الحكمة أو السعي وراء الحكمة. يبدو آرثر كما لو أنه يحاول في هذا الكتاب الانتصار للفلسفة الباطنية وقدرتها على تغيير تفكرنا. 

كان الكتاب –وما زال- مهمًا بالنسبة لي عطفًا على لحظة الانكشاف التي تبلورت قبيل قراءته ببضعة أسابيع وحسب. في نوفمبر من العام الماضي، أنهيتُ قراءة كتاب اللفاياثان للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز كاملًا. وفيما كنت قد اطلعتُ قبلًا على الجزئين الأوليين منه، كانت قراءة نوفمبر مغايرةً تمامًا لكل التصورات التي حملتها في السابق عن هوبز. فللمرة الأولى، تجلت فلسفة هوبز خارج التنميطات والاختزالات، فلسفته المتضمنة في خبايا النص، في الإشارات والتلميحات والاستطرادات وبنية الجمل وغيرها من الوسائل التي جعلت اللفاياثان نصًا فلسفيًا مختلفًا. أعطى كتاب الفلسفة بين السطور معنى للحظة الانكشاف هذه، ووضعها في سياق خطاب ومفهوم فلسفيين يمتدان زمانيًا. بل أن الكتاب قدّم كذلك العديد من الأجوبة المحتملة والأسئلة المحورية فيما يتعلق بتاريخ الفلسفة التقليدي، وكان كل شيء موثقًا ومدعمًا بالكثير من النصوص المثيرة للتساؤلات. صحيحٌ أن بعض أجزاء الكتاب مكررةٌ بشكل أو بآخر، لكنه أحد أفضل الكتب التي قرأتها هذا العام ككل.

لكل شيء بداية، ولكل بداية بداية أخرى حقيقية. لم تكن ثلاثة سيد الخواتم أولى روايات الفانتازيا التي أقرؤها، لكنها تشكل حتمًا انطلاقتي الحقيقية في هذا العالم وكل ما يتعلق به. لا أظنني بحاجة لتلخيص أحداثها، ولعل الغالبية شاهدت الأفلام الثلاثة أو قرأت عنها من الميمز ما يكفي لامتلاك تصور مبدئي عما تتضمنه، وهذا صحيح إلى حد ما. شخصيًا، برغم تقاعسي قرابة السنتين عن قراءتها، كنت معتزمًا من البداية على أن تكون الرواية مدخلًا حقيقيًا للفانتازيا عطفًا على كل الانطباعات التي سمعتها أو قرأتها عنها. وكنت أدرك إلى حد كبير أنها ستعجبني بناء على انطباعي عن الأفلام الثلاثة، وهذا ما شجعني أكثر. ولذا، ما إن تيسرت لي فرصة الذهاب في رحلة عمل لأسبوعين على إحدى الحفارات بالبحر الأحمر، اتخذت قرار اصطحابها معي دون أي كتب أخرى كي أجبر نفسي على إنهاء الـ1300 صفحة.

والحقيقة أني لم أحتج فعلًا لإجبار نفسي. سرعان ما تعودتُ على أسلوب تولكن، وهذا ما جعل صفحات الرواية تُقلب الواحدة تلو الأخرى. كان عالم الأرض الوسطى أكثر تشويقًا وروعةً من أن أترك الرواية لقراءة أي كتابٍ آخر. بل أن العال أعمق بمراحل مما أمكن اختزاله في ساعات الأفلام الثلاثة. المضحك أنني كنت أتململ من مشاهدة بعض جزئيات الفيلم التي اعتقدتُ أنها أطول من اللازم، ولكنني بعد قراءة الرواية صرت أجدها مختصرة أكثر من اللازم. 
بطبيعة الحال، كان لا بد من قراءة الهوبيت أولًا لامتلاك فكرة عن قصة عثور بيلبو باغنز على الخاتم من الأساس ولتكوين صورة مبدئية عن الأرض الوسطى. لكن أحداث الهوبيت وروايات سيد الخواتم الثلاث تنتمي إلى العصر الثالث على أرضا، أي أنها مسبوقة بعصرين مليئين بأحداثهما (كالحرب التي خسر فيها سورون خاتمه مثلًا)، وقبل هذه العصور هناك الحقب الثلاث الأولى المتبوعة بخلق أرضا أصلًا. وقبل كل ذلك كانت هناك قصة خلق العالم الذي يحتوي كل شيء، وهي التي نُشرت لاحقًا في السيلماريليون. أظن هذا كافيًا للبرهنة على ضخامة عالم تولكن الفانتازي، وهو ذات العالم الذي أثار فيّ فضول البحث عن عوالم فانتازية شبيهة. 

لسبب ما، نشأت على الفكرة الساذجة التي تجعل المادية مرادفة لكل ما هو محسوس ووضيع ومتحجر. كانت المادية في هذا السياق توضع قبال الروحانية أو المثالية حتى، وهما اللتين اعتقدتُ بأسبقيتهما وفوقيتهما إن صح التعبير. ظللت على حالي حتى مرحلة الجامعة، وهناك بدأ مفهوم المادية يأخذ في التحول شيئًا فشيئًا. بدا حينها أن تصور المادية السابق لديّ نتيجةُ اختزالاتٍ مجحفة، وأن فلسفة المادة في الحقيقة أعقد من أن تنفى بهذه البساطة.

كتاب المادية لتيري إيغلتون يأخذ مفهوم المادية المعقد ويجعل تعقيده أكثر وضوحًا. ينطلق إيغلتون من البداية بغرض تفنيد بعض الخرافات المثالية، محاولًا أن يبين ارتباط أعتى البنى الفكرية (كالتاريخ واللغة والعقل والأخلاق) بالمادة والتفاعلات المستمرة بينها وبين التصورات بشكل عام. ولأني كتبت مراجعة أكثر تفصيلًا، فلعل من الأفضل الاطلاع عليها بدل الاستفاضة هنا.

أنهيت قراءة الكتاب في نهاية شهر مارس، بعد أسبوع ونصف من إرسال ملخص ورقة أود طرحها في أحد مؤتمرات جمعية الدراسات العليا للآداب بأمريكا. ولأن الورقة تتطرق لمفهوم الذات وكيفية تشكله –بالضرورة- من خلال تفاعله مع أبعاد وجوده، كان كتاب إيغلتون خير معين فيما يتعلق بالارتباط بين أجسادنا ومفهومنا عن ذواتنا، ولولاه لما تبلورت الفكرة بهذا الشكل.

في نهاية يونيو عام 2015، كنت أقضي شهر العسل في جزيرة بالي. كنا أنا وزوجتي نتمشى في أحد المجمعات المفتوحة، وصادف أني عثرتُ على مكتبة تبيع كتبًا إنجليزية. وليس كتبًا إنجليزية وحسب، بل أعمالًا مترجمةً من الاندونيسية إلى الإنجليزية ضمن مشروع “مكتبة اندونيسيا الحديثة”. اشتريت يومها رواية عشوائية اسمها الراقصة للروائي الاندونيسي أحمد توهاري. لا أبالغ حين أقول أن تلك الرواية كانت إحدى أكثر الروايات وقعًا على نفسي حتى اليوم. 

بطبيعة الحال، صرتُ أسعى لاقتناء المزيد مما تُرجم ضمن نفس المشروع، ورواية شفق في جاكرتا كانت واحدةً منها. قرأتها مطلع أبريل هذا العام، وما زلت كلما تذكرتها أشعر بذات الغصة التي شعرتُ بها حال إنهائها. تحكي الرواية قصتين متوازيتين، قصةُ المسحوقين وقصة المنتفعين، قصة من يتشارك السيجارة مع صديقه حتى آخر “رشفة”، وقصة من يشعلها ليدخن رشفتين قبل أن يرميها في الشارع ويستقل سيارته الفارهة غير آبه بشيء. وبين هاتين القصتين، يحكي مختار لوبس مقتطعات من أحداث تجري ضمن نفس العالم الروائي، حيث تبين جميعها التفاوت الطبقي الحاد بين المسحوقين والمتبرجزين في جاكرتا وسط التغيرات السياسية الحادة آنذاك. 

لعل من الممكن تصنيف الرواية تحت جنس الأدب الواقعي، سوى أنها مفرطةٌ جدًا في الواقعية الاجتماعية-السياسية، ومفرطة جدًا في التحليل الاجتماعي الخفي. أدرك تمامًا أن هناك من لا يستهويه هذا النوع من الروايات الواقعية، من الروايات التي تُعري مرارة الحياة. لكن تسليطها للضوء على من تُغيّب أصواتهم عمدًا وقسرًا هو الدافع الرئيسي من وراء قراءتي لها، ولم يخب ظني بها.

-الترجمة العربية للرواية سيئة جدًا، ولذا لزم التنويه-

قرأتها نهاية أبريل قراءة ثالثة، أو ثالثة ونصف بالأحرى. لم أقرأها هذه المرة بغرض الفضول كقراءتي الأولى، وليس لكونها جزءًا من المقرر كقراءتي الثانية، بل قرأتُها في سبيل الإعداد الأخير لحلقة كتبيولوجي التي تناولت بعض ثيمات الرواية. أظن الحلقة تختزل ما خرجت به منها هذا العام.

ليس من الصعب تبرير وضع الرواية بقراءتها الثالثة على قائمة هذا العام. أنا من أنصار القراءات المتعددة للعمل، أي قراءته مرة ومرتين وثلاثًا. أضعف الإيمان قراءة الكتب مرتين، الكتب التي تستحق القراءة على الأقل. تنطلق هذه القناعة من فكرة أن القراءة الأولى -كيفما كانت- قراءةٌ تعريفية للعمل. وقتما تهيأ للقارئ الإلمام بإطار النص وأبعاده وملامحه الرئيسية، يمكن له في القراءة الثانية التوغل في متن العمل بشكل نقدي حقيقي (الحديث هنا على مستوى المضمون، يمكن بطبيعة الحال التطرق للعديد من الأبعاد من القراءة الأولى). 

لهذا تبدو القراءة الثالثة لرواية سالينجر بالنسبة لي قراءةً تتجاوز أفق كل ما يسبقها. أتيحت لي هذه المرة فرصة التركيز على النص وقدرته على تكريس أو تفنيد بعض أفكار وثيمات الرواية، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة بين تلك الأفكار والثيمات وجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. هنا بدت حلطمة هولدن وتكرار استخدامه للشتائم ووصفه المتكرر لعالم البالغين بالزيف إشارات لما يتجاوز كونها تصرف مراهقٍ أرعن. والحقيقة أن هذه الثيمات تثير اهتمامي لدرجة أني كتبتُ عنها مقالة مقارنة ستنشر عما قريب، حيث أضع فيها رواية سالينجر قبال هذا الجانب من الجنة للروائي الأمريكي فيتزجيرالد. وربما وضع الرواية على قائمة ١٢ شهرًا ١٢ كتابًا للعام الثاني (أو الثالث؟) على التوالي كفيلٌ بإثبات إعجابي بها دون الحاجة لمبررات أخرى.

ترددت فيما إذا كانت رواية غيبسون إحدى أفضل قراءاتي هذا العام أم لا، خصوصًا أن أغلب تفاصيلها وشخصياتها باتت ضبابية وآيلة للنسيان. وليس هذا وحسب، بل أن أولى محاولات قراءتها باءت أساسًا بالفشل الذريع، إذ عجزت عن الدخول في أجوائها. لكن والحق يقال، ما يزال انطباعي الإيجابي عنها حين أنهيتها قبل سبعة أشهر حاضرًا بقلبي، وهذا ما دفعني لتضمينها بقائمة هذا العام.

وفيما لا أحب الدخول في معمعة التصنيفات والتنميطات، أجد أن من الصعب فصل انتمائها لجنس الـcyberpunk بالخيال العلمي عن دوافعي لقراءتها. قبل أن أباشر قراءتها (سواء محاولتي الأولى الفاشلة أو الثانية الناجحة)، قرأتُ قصة Cyberpunk القصيرة للكاتب الأمريكي بورس بيثك مقدمةً لقراءة نيورومانسر. تدور القصة حول مجموعة مراهقين رعاع يستغلون ضلوعهم في الفضاء السيبراني للقيام بعمليات سرقة أو تخريب وما إلى ذلك. لاقى هذا المزيج بين الجموح والسيبرانية إعجابي، وصرت أتوق لأكثر من ذلك.

رواية غيبسون، بغض النظر عن كونها مقررة آنذاك، أشبعت جزءًا من هذا التوق. تدور الرواية حول هنري كيس، الهاكر المنكوب الذي صار يعمل لآرميتاج مقابل الحصول على علاجٍ للضرر الذي أُلحقَ بجهازه العصبي (وأثر بالتالي على سرعة تحركه داخل الماتركس) يوم اكتُشفت سرقاته ممن وظفوه سابقًا. بعدها تصب الأحداث في سبيل اختراق ذكاءٍ اصطناعي والقيام بالمهمة الأكبر في مسيرة هنري.
نيورومانسر رواية سينمائية بامتياز. منذ مطلع الرواية والأوصاف والمفردات الغريبة حاضرة بكثافة. وفيما كان اقتحام أسلوب غيبسون الكتابيّ صعبًا في بادئ الأمر، اعتدتُ لاحقًا إدراك وتخيل العبارات من قبيل الجملة الافتتاحية:

“السماء فوق الميناء كانت بلون التلفاز حين يوضع على قناةٍ ميتة.”

قرأت هذه الرواية لسببين: أولًا، أحب عادة قراءة أعمال الكُتّاب الموضوعين على قائمة الرقابة في أوطانهم. وثانيًا، أحب قراءة الأعمال التي تميل لتناول أمرٍ مبتذل من زاوية تجعل هذا الابتذال محل التساؤل. 

قد توصف الرواية بأنها رواية زيارة فضائيين للأرض، وهذا الوصف صحيحٌ إلى حد ما. لكن بَدَلَ كليشيهات تفوقهم التكنولوجي الخارق الذي يوشك على إبادة البشرية، أو قدرتنا كبشر على التغلب على غزو الفضائيين، أو حتى تبادل المعرفة بيننا وبينهم لمصلحة الجميع، تركز هذه الرواية على مسألة أننا قد لا نكون قادرين أساسًا حتى على إثارة انتباههم أو تزويدهم بأي شيء.

تدور أحداث الرواية حول أعقاب زيارةٍ فضائية غامضة. استيقظت البشرية يومًا على تواجد الفضائيين في اثني عشرة منطقة مختلفة على كوكب الأرض. وبعد يومين، اختفى الفضائيون كما جاؤوا مخلفين وراءهم آثارًا فيما سيسمى بالمناطق (The Zones). ولأن المناطق مليئة بالبقايا والمواد والإشعاعات التي لا يفقه البشر أسرارها، تتمحور الرواية لاحقًا حول استكشافها دون التعرض لما يؤدي في نهاية المطاف للموت.

وكما ذكرتُ أعلاه، أحب هذه الرواية لأنها تجعل من مسألة غزو الفضائيين الكليشيهية أمرًا محل التساؤل. أدرك أن روايات الغزو وما إلى ذلك قد تُعبر عن واقعٍ محدد كما هو الحال في رواية حرب العوالم لويلز، أي أنها تُمثّل هموم عالَمٍ في أوج الاستعمار الكولونيالي وتصادم الحضارات المزعوم. لكن روايةً كهذه تسخف مما قد تنحو أعمال روائية أخرى لتعظيمه، خصوصًا ما يتعلق بتقدمنا وما إلى ذلك.

إذا كانت الروايتان السابقتان جزءًا من جنس الخيال العلمي (أو الخيال التفكّري كما يحب البعض تسميته)، فإن هذا الكتاب القصير عملٌ فكري يمكن تصنيفه بشكلٍ شبيه، سوى أنه (أو كما يزعم على الأقل) مبني على الواقع ومحاولات التنبؤ بما سيكون عليه إثر سقوط المنظومة الرأسمالية. 

يتطرق الكاتب بشكلٍ رئيسي إلى عاملين: كمية الموارد والنظام الاجتماعي. ففيما يتعلق بالموارد، إما أن تكون شحيحة أو متواجدة بكثرة. والنظام الاجتماعي المرافق لتوزيع الموارد إما أن يكون لحد ما هرميًا أو مساواتيًا. من هذه التمييزات يمكن الخروج بأربع توليفات مختلفة: موارد شحيحة + نظام هرمي، موارد شحيحة + نظام مساواتي، موارد كثيرة + نظام هرمي، موارد كثيرة + نظام مساواتي.

أهمية الكتاب بالنسبة لي تجلت بشكلٍ أكبر في قدرة الكاتب على المزاوجة بين المنحى الكارثي لاستهلاك الموارد الحالي أولًا، وحقيقة أن النظام الطبقي الناتج عن تفاعلات المنظومة الرأسمالية لا يعني بالضرورة منحى كارثيًا للجميع -إن صح التعبير- ثانيًا. بعبارةٍ أخرى، ليس هناك حتمية محددة بحسب مجرى الأمور، فالمنظومة (بعكس ما يُصوّرها البعض) ليست حتمية أو مطلقة بحيث تُلغي البدائل الأخرى التي تفرزها هي بنفسها. قد تبدو الفكرة أو الزاوية ساذجة أو بديهية لدى البعض، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لي، ولذا وضعت الكتاب على القائمة. وعطفًا على ذلك، أدين له بتعريفي على أفلام من قبيل Elysium، وهو الذي أعتزم الحديث عنه على ضوء أطروحة بيتر في هذا الكتاب.

كل منا بلا شك عاش يومًا تلك اللحظة التي يشعر فيها أن كتابًا ما يُبلور نظريًا العديد من الأفكار التي كانت تشغل باله. يبدو الكتاب الذي نقرؤه حينها ضالةً حتمية كنا –بقصدٍ أو بدون- نسعى إليها. عشت أثناء قراءة هذا الكتاب تلك اللحظة مرارًا، ووجدتُ فيه ما لم أعتقد قبل قراءته أنني سأجده في هذا الوقت.

يتطرق الكتاب للعديد من الأفكار والأطروحات، ومن الصعب تلخيصها كلها هنا. يتطرق مثلًا لموضة لبس الجينز ومعناها بالنسبة لمرتديه قبل وبعد محاولة الشركات احتكار ذلك المعنى، ويتطرق أيضًا لبعض معاني رواج برامج المسابقات التي من شأنها إحراج الزوج أمام زوجته أو ما أشبه، كما يتطرق للمعاني المصاحبة للاحتفالات الكرنفالية وميلها الصارخ أحيانًا للتشديد على السيادة الجسدية في الفضاء العام وما إلى ذلك. يتناول فيسك هذه النقاط من وجهة نظر ممارسيها، أو من وجهة نظر من لا ينتمي إلى “صناعة” الثقافة.

لكن الفكرة الرئيسية التي تتجلى في مختلف فصول الكتاب، وهي النقطة التي يذكرها جون فيسك من البداية، مرهونةٌ بتفريقه بين “الثقافة بالجملة” (Mass Culture) والثقافة الشعبوية (Popular Culture). الأولى منتجٌ صناعي إن صح التعبير، أي أنها محاولة السوق لصنع ثقافة تتماهى فيه كل سبل التفرد والمقاومة، فيما يمكن تعريف الثانية بأنها الثقافة التي ينتجها الناس في محاربة هيمنة الثقافة بالجملة. يتمحور الكتاب إذن حول تصادم هاتين الثقافتين، حول محاولة تنميط المعنى وإنتاج ثقافة وحيدة، ومحاولة مقاومة هذه الهيمنة الثقافية وإنتاج ثقافة مضادة من قبل الشعب (أستخدم الشعب هنا نقيضًا للنخبة والنخبويين). أدرك أن هذه التفرقة قد لا تكون واضحة هنا، ولكن لا حل أجدى من قراءة أطروحة جون فيسك وتطبيقاتها المختلفة في الكتاب.

قرأتُ هذا الكتاب لأنني مهتم منذ فترة بوهمية ثقافة النخبة، وهذا يشمل بطبيعة الحال الأدوات التي توظفها هذه النخب في سبيل خلق تفاوتٍ طبقي ثقافي تبدو فيه الثقافة الشعبوية مستحقرة ومستهلكة وغير-فاعلة. فهم الثقافة الشعبوية يمهد لي الطريق لاستكشاف بعض أبعاد هذه الوهمية.

الحياة بعد وسائل التواصل الاجتماعي ليست كالحياة قبلها، هذا أمرٌ مفروغ منه. يأخذ هذا الكتاب الفكرة إلى أقصاها: الحياة بعد وسائل التواصل الاجتماعي ليست كالحياة بدونها، غصبًا على الحياة. 

ما الذي يعنيه هذا؟ بشكلٍ عام، يتطرق الكاتب لحقيقة أن وسائل التواصل أعادت صياغة نظرتنا للأمور لدرجة أننا صرنا نرى الحياة من منظور هذه الوسائل دون أن نشعر. صرنا نرى الحياة وفق ما يمكن تصويره ومشاركته على الانستغرام، وفق اللحظات الزائلة التي تستحق تخليدًا أطول نسبيًا على سنابشات، وفق تطلعات واهتمامات الدائرة التي ننتمي لها على تويتر وميل البعض للالتزام بصورةٍ محددة، وغيرها من الأمور التي قد لا نميل لوضعها ضمن تأثيرات وسائل التواصل عادة.

ولا يقتصر الحديث على هذه الأمور بطبيعة الحال. بل يتجاوزها ليناقش مثلًا الأسباب التي تجعل فلتر التعتيق رائجًا، حيث يرى الكاتب ارتباطه بفكرة أن القديم هو الأصيل. بعبارةٍ أخرى، حين يوضع فلتر التعتيق على آيفون ١١ مثلًا، فهو يُعطيه نوعًا من الأصالة والقيمية التي تُسلب من المستجدات. ويناقش الكتاب أيضًا حركات “التطهر” من وسائل التواصل أو الإنترنت بشكلٍ عام، والتي تصور الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل كما لو أنها شرور دخيلة على الحياة الحقيقية وما إلى ذلك. يتهكم الكاتب على هذه الحركات من باب أن الحياة الحقيقية المزعومة ليست في أغلب الأحيان إلا حياةً “حقيقية” كما تصورها وسائل التواصل أساسًا، أي أنها ليست نقيض الحياة الافتراضية بقدر ما هي عيشٌ لحياةٍ صاغت جوهرها وحقيقتها وسائلُ التواصل. 

بحسب إحصائيات آيفوني الأسبوعية، أعتقد أن نشاطي على وسائل التواصل ليس قليلًا. ولأنني ممن يعقدون العزم مطلع كل أسبوع على تقليل استخدام الهاتف ومن ثم يتفاجؤون بأنهم قضوا وقتًا أطول من الأسبوع الماضي، كانت قراءة هذا الكتاب مطببة لخاطري ومطمئنة إياي بأن الأمر ليس بالأهمية التي أعتقدها أساسًا.

كيرت فونيغت وكفى.

قرأت الكتاب للمرة الأولى قبل عامين، وكنت أعتقد أن قراءته تجربةٌ رائعة. قرأته للمرة الثانية قبل بضعة أسابيع، وكانت قراءته تجربة رائعة بالمعكوس. أؤجل حكمي النهائي حتى أفرغ لقراءة بقية أعماله الفكرية ورواياته (هذا التنويه ضروري عطفًا على النقاش معكما علي وحسين، إذا قرأتما المقالة يومًا)، لكن ميلان كونديرا يبدو من خلال هذا العمل مناصرًا للأوروبيانية والمركزية الأوروبية. قراءة هذا العام، إذن، متمحورة حول كونها ممارسة لالتقاط ما لم يُفصح عنه كونديرا بالضرورة. أتساءل مثلًا عن الأسس التي يستند إليها كونديرا في تعريفه للعصر الحديث، وعما يدفعه لافتراض أن هناك هوية “أوروبية” ثابتة خلال الخمس قرون الأخيرة، وعما يجعله يعتقد أن تاريخ الرواية هو تاريخ “الاكتشافات” فيما يتعلق بجوانب الوجود، وعما يجعل تاريخ الرواية يتوقف –حسب كلامه- وقتما انتشرت الروايات التي لا تضيف شيئًا لسلسلة الاكتشافات المزعومة. بل أتساءل أيضًا عما يجعله يستخدم مفردتي أوروبا والعالم كما لو أن الثانية امتدادٌ للأولى. وفيما راودتني هذه التساؤلات أثناء قراءتي، كنت أرى في النص المقروء سابقًا أبعادًا لم أتنبه لها، وهذا ما يجعلني أضعه على قائمة هذا العام بالرغم من كل ذلك.
لست هنا بصدد تقديم قراءة للكتاب، ولا أظن أن من العدل القيام بذلك دون الاطلاع على ما أنوي الاطلاع عليه. لكن ذلك لا يعني بأي حال أن الكتاب ليس دون آثاره على قراءاتي في ٢٠١٩، بغض النظر عما إذا كانت مقاصد النص مختلفة تمامًا. 

ما رأيك بالمنشور؟