بدأتُ صباح اليوم قراءة كتاب الپوپ-فلسفة لعبد السلام بنعبد العالي. يبدو كتابًا قصيرًا (١٥٤ صفحة فقط) وخفيفًا، إذ يتكون من مجموعة مقالاتٍ قصيرةٍ متشعبةٍ في مواضيعها، وإن كانت جميعها جزءًا من ثيمة واحدة. ولذلك فالكتاب مناسبٌ لصبيحة أول أيام عطلة نهاية الأسبوع، العطلة التي كنتُ أنوي كونها فترة نقاهةٍ واسترخاء.

لكنني ما إن بدأتُ بمقدمة عبد الفتاح كيليطو للكتاب حتى شعرتُ برغبةٍ عارمةٍ للتنفيس عما خالجني أثناء وبعد قراءتها، وهو الشعور الذي عنونتُ المقالة به: عقدة الاثورتي-فگر (authority figure) في المجال الفكري. برغم أن طول المقدمة لا يتجاوز الثلاث صفحات، إلا أنها مليئة بتجلياتِ هذه العقدة. ولأنني كنتُ أنوي الكتابة عنها في سياق فلاسفة وسائل التواصل وجوهر ظاهرة الاسترضاع التي يشكلون جزءًا منها، تبدو الفرصة الآن مناسبةً للقيام بذلك.

أبدأ أولًا بمفهوم عقدة الاثورتي-فگر نفسها؛ ما الذي أعنيه بذلك تحديدًا؟ بشكلٍ عام، يمكن القول بأنها النزعةُ لإقحام أسماء شخوص لها قامتها في معرض تبرير أو تدعيم أمرٍ ما، بحيث يستقي الأمر وزنه من هذا الإقحام. بعبارةٍ أخرى، هي محاولةُ الربطِ بين المضمون والقامة لإضفاء قيمةٍ أكبر على المضمون من خلال هذا الربط بمعزلٍ عن أي عوامل أخرى. ففي سياق الفِكر، وهو ما أتناوله في هذه المقالة، تشير عقدة الاثورتي-فگر إلى نزعة إقحام أسماء المفكرين على الطالعة والنازلة بغرض إعطاء وزنٍ فكري لِما يُقال، مهما كان القول تافهًا أو مهما كان السياق في غنىً عن هذا الإقحام. 

ليس كل استحضارٍ للقامات الفكرية إشارةً لهذه العقدة بطبيعة الحال، بل أنه في الوقت المناسب يُقوي الفكرة ويجعلها أكثر صلابةً ومنطقية. وبالإضافة لذلك، هناك من يستشهد بالأفكار لتبيان مواطن ضعفها أو مناقشة أسسها دون الارتكان لاستقبالها معلبة، ولذا لا يصح المساواة بين الجميع. 

ولكن بغض النظر عن ادعاءات فلاسفة وسائل التواصل (سأتطرق لها لاحقًا)، عقدة الاثورتي-فگر -في حال وجودها- تعكس في المقام الأول خواء الفكرة. كما أسلفتُ، العقدة في جوهرها محاولة لإضفاء قيمةٍ فكرية من خلال استحضار قامةٍ ما، وبالتالي فإن الفكرة إما أن تكون خاوية أو منسوخة أساسًا بحيث تتطلب هذا الربط. بل في أحسن الأحوال، عقدة الاثورتي-فگر لا تتعدى كونها تملصًا من تبعات تبني فكرةٍ ما؛ يخيل للكاتب أن ذكره لمن يستقي منه الفكرة أو من يؤيده فيها تبرئةٌ له من مقتضياتها، فكل محاولةٍ للنقاش حول هذا الطرح الخاوي يجعله يتحول لنقاش القامة وطرحها. 

في حال تبني الكاتب لفكرةٍ ما، لا أجد حاجةً لتبريرها أو تدعيمها باسم أي مفكر، إذ أن من شأن من يتبناها أن يطرحها على وجهٍ سليم. لكن قد أتفهم عقدة الاثورتي-فگر في حال أن الكاتب لم يُدرك مضامين الفكرة.

تتجلى العقدة بوضوح في مقدمة عبد الفتاح كيليطو لكتاب الپوپ-فلسفة. كما ذكرتُ أعلاه، يبلغ طول المقدمة ثلاث صفحات، والكتاب عبارةٌ عن مجموعة من المقالات القصيرة في شتى المواضيع التي تتراوح بين ظواهر يومية وفلسفات وتعليقات أو تحليلات فلسفية. السؤال الرئيسي الذي أطرحه هنا: ما الداعي لذكر تسعة مفكرين (أي بمعدل ثلاثة لكل صفحة) في هذه المقدمة القصيرة لعملٍ لا يتطرق بالضرورة لأي منهم؟ أورِد الاقتباسات أدناه للتوضيح:

أتساءل أحيانًا لماذا لم يؤلهوا للبلاهة أيضًا، لا سيما حين أتذكر قولًا للشاعر الألماني فريدريش شيلر: “ضد البلاهة، حتى الآلهة تكافح بدون جدوى.” 

لا شك أن غوستاف فلوبير كان يقتسم الرأي ذاته، وهو الذي أولى البلاهة أهمية قصوى […]  

يحيل بنعبد العالي في هذا الصدد إلى رولان بارط الذي نبه إلى ارتباط البداهة والمسلّم به بالعنف، والذي شدد على “أن العنف الحق هو أن نقول: طبيعي أن نعتقد هذا الاعتقاد، هذا أمر بدهي.” 

لا تدرك الحقيقة، حسب تعبير بليغ لغاستون باشلار، “إلا في جو من الندم الفكري.”

بناء على ذلك، “يتغير مفهوم الفكر ذاته، فيغدو الإنسان موجودًا، لا من حيث هو مفكر، كما ذهب أبو الفلسفة الحديثة، وإنما من حيث لا يفكر كما أوضح لاكان.” (ديكارت ولاكان هنا يَرِدان في معرض الاقتباس، فلعل من الظلم قليلًا نسبة الأمر برمته لكيليطو في ذكرها)

وللتذكير، فالجاحظ لا يمكن أن يتطرق لظاهرة ما إلا بوضعها بجوار ظاهرة معاكسة، فيقول الشيء وضده.

اقتباسات بنعبد العالي تصب في هذا المنحى، كقول نيتشه: “كم كان الإغريق سطحيين… من شدة عمقهم.”

ما يحير في بعض النصوص الأدبية أن البلاهة قد تتحول إلى نقيضها. أبله دستويفسكي ليس أبلهًا، بل يمكن الجزم أنه قمة في الذكاء.

شخصيًا، لا أجد هذا الاستعراض إلا تجليًا لعقدة الاثورتي-فگر، إذ ليس هناك أسبابٌ حقيقية تستدعي استحضار هذه القامات في مقدمة الكتاب. أقول باستغناء المقدمة عن هذه الأسماء –باستثناء بارت ربما- لأن ثيمة الكتاب الرئيسية كما يشرحها بنعبد العالي بنفسه في المقالة الأولى تُحارب نزعة الاثورتي-فگر إلى حد ما. يقول بنعبد العالي:

الفلسفة الپوپ إذًا سعي للخروج بالفلسفة من أسوار الجامعة، حيث تغدو المعرفة عائقًا ضد الفكر، بهدف إنقاذها من مرض التأويلات والشروح والتعليقات، وجرها بعيدًا عن التقاليد الفلسفية التي رسخها تاريخ الفلسفة بما يعطيه من قدسية للنصوص، وتأليه للمعاني، مع ما يستدعيه كل ذلك من مرور عبر “الدواخل”: دواخل الوعي و “دواخل” المفهوم، ودواخل النصوص.

عقدة الاثورتي-فگر كما أراها جزء لا يتجزأ من التقاليد الفلسفية وقدسنة النصوص والمعاني التي ذكرها بنعبد العالي، وبالتالي يصبح استحضار كل تلك الأسماء في المقدمة أمرًا غير ضروري ومنافيًا في الحقيقة لفحوى الكتاب.

Man with glass of wine writing plans in his notepad

لا أهدف أن تكون هذه المقالة طويلة، لكن من الضروري قبل إنهائها أن أتطرق بشكلٍ وجيز إلى بعض الحجج التي ينادي بها فلاسفة وسائل التواصل لتبرير استعراضهم المفرط لأسماء الفلاسفة.

الحجة الأولى: يجب نسبة الأفكار لأصحابها

بالنسبة لي، تستبطن هذه الحجة في الحقيقة ثلاث نقاط. أولًا، تعني أن الأفكار المطروحة مستوردة دون أي جهدٍ لإعمال الفكر فيها. حين يرد في الصفحة الواحدة عشرون فيلسوفًا، كل ما يتبادر لذهني هو أن الطرح برمته مجرد شوربة أسماء وأفكار لا متن حقيقي وراءها.
ثانيًا، فيما أوجه أصابع اللوم في المقام الأول للأكاديميا وتشديدها المبالغ فيه على الاستشهادات وتجريد الأفراد في كثيرٍ من الأحيان من أي بوادر إبداعية، إلا أن هذا لا يعني بأي حالٍ من الأحوال قبول النزعة الاستشهادية. الاستحضار المبالغ فيه يكشف احتضار الطرح. 
ثالثًا، لا أؤمن شخصيًا بمسألة امتلاك الفكرة الذي يستوجب الاستشهاد بأصحابها لهذا الحد. نعم، هناك أفكار “أصيلة” إن صح التعبير، لكن بالمقابل هناك العديد من الأفكار المتشابهة التي عُبر عنها بطرق مختلفة عبر التاريخ ودون أن يكون الفلاسفة بالضرورة على علمٍ بما قيل قبلهم. بأي حق نُملّك الفكرة فردًا دون آخر؟ مجددًا، أشعر أن هذا الإشكال متولد جزئيًا من قضية الحقوق الفكرية، وهي مسألة شائكة لا أريد الخوض فيها هنا. 
الاقتباس الأول لكيليطو قريبٌ لما أريد قوله، فهو لا يتعدى تدعيم فكرة كيليطو عن البلاهة باقتباس غير ضروري من شيلر. بعبارةٍ أخرى، يبدو كما لو أن الفكرة عن البلاهة ليست صلبة بما فيه الكفاية (وأنا لا أقول أنها كذلك فعلًا، أقول يبدو) بحيث احتاج كيليطو لتأييدها بشيلر. 

الحجة الثانية: نستحضر الفلاسفة لمناقشة أفكارهم

ربما عشرة بالمئة فقط ممن يستحضر الأفكار يعتزم نقاشها ونقدها، أما التسعون بالمئة الباقية ليسوا كذلك. الظاهرة أوضح من أن أحتاج لتوضيحها. اقتباس كيليطو الثالث يبدو كما لو أنه أتى في صدد مناقشة البداهة، لكن الحقيقة أنه ليس كذلك.

الحجة الثالثة: التفلسف يقتضي الحوار ولو بشكل جزئي مع الفلاسفة

غير صحيح. مجددًا، هذا التصور نتيجة التخصص الفلسفي الأكاديمي، وهو جزء من الإرث الذي يحصر الفلسفة على النصوص أو يستقيها منها. تطرقتُ سابقًا بشكل مفصل لاعتقادي الشخصي بتولد الفلسفة من وجود الذات في الحياة اليومية وارتباطها بالمعاني المشتملة فيها، ولذا لن أعيد الفكرة هنا. الشاهد من الأمر أن التجربة المعاشة مكون رئيسي من عملية التفلسف، وليس من المنطقي استحضار من لم يساهم في تفكيكها بقصدٍ أو بدون.

الحجة الرابعة: الفكرة الفلانية يمكن إسقاطها على واقعنا

ستكون هذه الحجة موضوع مقالةٍ منفصلة عن الخطأ الجوهري المتضمن في إسقاط الأفكار أو النماذج الفكرية على واقعنا بغرض شرحه أو تغييره وما إلى ذلك. جل ما أريده هنا توضيح العلاقة بين الخواء الفكري وتبني النماذج المعلبة في تفسير الظواهر أولًا، كما أريد توضيح الارتباط بين الاستيراد الفكري وتسليع الفلسفة وبين فكرة الإسقاط بحد ذاتها ثانيًا.

ما بدأ بمحاولةٍ للتنفيس حول عقدة الاثورتي-فگر انتهى بمقالةٍ أطول مما أردت، ولذا سأختم هنا.

One thought on “عقدة الاثورتي-فگر: هل الردبول، كما يشير أرسطو، نكتار الآلهة؟”

ما رأيك بالمنشور؟