“أزال أنثوني الورقة من آلته الطابعة، وأضافها لبقية الأوراق القابعة أمامه على الطاولة، دبّسهم ببعضهم البعض وأخذ يقرأ ما كتبه. يتناول الفصل السادس من كتابه مبادئ علم الاجتماع الفردَ وتصوراته عن الشخصية. قضى يومه يشخبط بعض تأملاته الأولية بشكلٍ لا منهجي. 
قرأ منها: “أنا أفكر، إذن أنا موجود. ولكن لِمَ لا تكون أنا أتغوط إذن أنا موجود؟ أو أتجشأ إذن أنا موجود؟”

Eyeless in Gaza، آلدوس هكسلي

قد يجد المتأمل في مسميات مراحل البكالريوس الأربع أن مسمى المرحلة الثانية أو السنة الثانية غريبٌ قليلًا: سنة الـSophomore. ففيما تبدو المسميات الثلاث الباقيات (Freshman, Junior, Senior) مفهومةً حتى خارج الإطار الجامعي، تُطِلُّ السوفمور متفردةً بغرابتها. والحقيقة أن البحث عن أصلها اللغوي يثمر عن غرابةٍ أو طرافةٍ أكبر. هكذا عرفها القاموس الاشتقاقي:

سوفمور (اسم): 
 1680s. “طالب السنة الثانية من الدراسة الجامعية”. تعني حرفيًا “المجادل”، وهي معدلة من sophumer (1650s، من sphume، شكل فرعي قديم من السفسطة)، ولربما جاء التعديل بتأثرٍ من الاشتقاق اللغوي الشعبي من المفردتين اليونانيتين sophos بمعنى “حكيم”، وmoros بمعنى “حماقة، بلادة.”[i]

يدفعنا كل هذا للتساؤل عما إذا كانت ثقة الطلاب المفرطة بأنفسهم في تلك المرحلة العمرية ظاهرةً تستلزم بحثًا أكبر. أتحدثُ عن الثقة المفرطة بامتلاك الفردِ مفاتيحَ الحقيقة وإدراكه كنه الموجودات، تلك الثقة التي تمازج بين رعونة المراهقة والمعرفة الممنهجة البدائية إن صح التعبير. ينتج هذا المزيجُ إيمانًا بأن الفرد متنورٌ بما فيه الكفاية لأن يزاول عمله التبشيري فيما يتعلق بالكيفية التي على الحياةِ أن تسير عليه والمعتقداتِ التي على الآخرين الإيمانُ بها.

ولا غرابة بطبيعة الحال أن تتموضع الظاهرةُ زمنيًا في تلك الفترة العمرية؛ تصادف الظاهرةُ السنينَ التي تُصاغ فيها ذات الفرد المستقلة على أعتاب دراساته العليا أو ما أشبه، على الأقل ضمن المنظومة التي نعيشُ في كنفها. يمر الفرد بمرحلةٍ انتقاليةٍ بين الصبا والنضج خلال هذه الفترة، وفي دواخله تتصارع قديم العوالم وجديدها. من يقرأ رواية سالينجر الحارس في حقل الشوفان أو رواية جويس صورة الفنان في شبابه أو رواية القصيبي شقة الحرية أو رواية إدريس الحي اللاتيني أو حتى روايتي هيسه دميان و تحت العجلة، فلا شك أنه يلاحظ تمثلات هذه الظاهرة في شخصيات هولدن أو ستيفن ديدلوس أو الروميتات الأربعة أو بطل الحي اللاتيني غير المُسمّى أو حتى في سنكلير وجيبنراث. 

وفيما نأمل جميعًا تخطي هذه المرحلة مع مرور الأعوام وتكامل الخبرات، فيما نأمل أننا نتجاوز تبني الثنائيات الحاكمة والأقطاب الجاهزة، يختار البعض أن يظل قابعًا فيها، أن يظل في طور التبشير والتنوير والاعتقاد بتعطش العالم لفيض حكمته في كل ما يتعلق بالثنائيات التي يرى العالم من خلالها. أشدد هنا على عامل الاختيار؛ تتهيأ مختلف الظروف لهذا لفرد كي يتجاوز المرحلة، كي يدرك أنه ما يزال آخذًا في التشكل والتعجن على يد مختلف القوى الحياتية. لكنه يختار في النهاية البقاء فيها. والنتيجة أن سنين العمر تمضي بطبيعة الحال بينما يبقى المنظور الحياتي في مراهقةٍ ساذجة تختزلُ تعقيدَ الحياة في ثنائيات خارقةٍ بين شرقٍ وغربٍ وبين شمولية وديموقراطية وبين دين وعلمانية وبين ماديةٍ وروحانية وبين عقلانية وعواطفية وبين فكرٍ وأدب، وغيرها من البينيّات التي تُقسّم العالم دومًا بعيني المراهق-فلسفيًا إلى ثنائية مطلقة: مخيم الأخيار ومخيم الأشرار.

في سبيل ترسيم المراهقة الفلسفية وما تنبني عليه من أسس، أختارُ من بين الثنائيات المزعومة إحداها: ثنائية الفكر والأدب، أو الفلسفة والرواية على وجه التحديد. اخترتُ الحديث عنها في هذه المقالة لأنها تُبرزُ الأبعاد البالية في المشهد الفكري المحلي، إن صح تسميته فكريًا أساسًا. ففي سياق استيراد الفلسفة وما يترتب عليها من نماذج مُقولبة وجاهزة للإسقاط، يتسبب التناقض المزعوم بين الفلسفة والرواية في نخرِ أي محاولةٍ تهدف لتقديم فلسفةٍ أو روايةٍ محليتين حقيقيتين، لا سيما وأن ديناصورات المراهقة الفلسفية متسيدةٌ للمشهد. وبذا، تفنيد التناقض خطوةٌ ضرورية في سبيل تقويض الأسس التي تقوم عليها سيادتهم، ومرحلةٌ مهمة لتقديم طرحٍ محلي أصيلٍ.

يمكن تلخيص الثنائية كالتالي: عالما الفلسفة والرواية منفصلان، والفلسفة أجلّ من الرواية من حيث أنها تُثري العقل الواقعي في قبال الرواية التي لا دور لها سوى في سلوى النفس وتوسيعِ الخيال. بل قد يذهب المراهق-فلسفيًا أبعدَ من ذلك فيرسم بين الفلسفة والرواية حدًا مائزًا إضافيًا على مستوى التعبير: تنحو الفلسفة للإيجاز والحكمة، وتنحو الرواية للإطناب والغباء.
لا أشك ولو جزئيًا في أن المراهق-فلسفيًا أضعف إدراكًا وأقل حصافةً من أن يستطيع تقصي معنيي الفلسفة والرواية خارج إطار الشائع-السطحي، أي خارج إطار المعنيين المتداولين، دونما أي تمحيصٍ أو معاينة. ولذا لستُ أعتقد بامتلاكه القدرة لا على إدراك الإشكالات المترتبة على الثنائية ولا على تجاوزها. يستطيع المراهق-فلسفيًا الإشارة إلى نص ووصفه بالفلسفي وإلى نصّ آخر ووصفه بالروائي، ولكنه لا يستطيع تحديد ماهية الفلسفي أو الروائي في أي من النصين إلا ربما من حيث كون الأول موضوعًا في قسم “الفلسفة” بينما الثاني موضوعٌ في قسم “الرواية” بالمكتبات. أو ربما يستطيع ذلك من حيث كون كاتب النص الأول “فيلسوفًا” والثاني “روائيًا”. بل لعل المراهق-فلسفيًا يلجأ أيضًا للشكل الذي كُتب به النص؛ وقتما كان النص برهانيًا ويُفصح عن نفسه بأنه فلسفي، وصف مراهقنا هذا الكتابَ بالفلسفي، ووقتما كان مليئًا بالثرثرة والسرد ومفصحًا عن روائيته، سماه مراهقنا روائيًا. وبطبيعة الحال، يقف المراهق-فلسفيًا عاجزًا عن استيعاب آلية تصنيف النص الذي يزاوج صراحة بين الفلسفة والرواية كما يتصورهما، سوى أنه يجد ملاذه في نعت النص غالبًا بالرواية الفلسفية، إذ يبدو له هذا القالب حلًا أوسطًا يرفع النص عن درجةِ الرواية قليلًا دون تدنيس الفلسفة. وليست هذه الاستتراتيجية غريبةً عليه، إذ كان قد استطاع توظيف توصيفات أخرى من قبيل الفلسفة السياسية والفلسفة الدينية في تمييز أجناس محددة عن الفلسفة-بلا-إضافات دون أن يخل بتربعها على قمة هرمية تصوراته.

تربّع الفلسفة على قمة الهرم يعني أن كل العلوم متفرعةٌ منها، وأن كل العلوم تستند على الفلسفة بينما تستغني هي عما سواها. تتمثل هذه الفكرة في مفهوم الفلسفة الذي يربطها بالتساؤلات الكبرى ويحدد موضوعاتها وفق ذلك. تصيغ جامعة نيويورك هذا المفهوم بشكلٍ واضح في رسالتها لزوار صفحة المقبلين على دراسة بكالريوس الفلسفة فيها:

تطرح الفلسفة أسئلة عامة عن الواقع والمعرفة والمنطق واللغة والمسلك. الفروع الأربعة الرئيسة للفلسفة هي الميتافيزيقا (ما هي الطبيعة المطلقة للواقع؟ ما الموجود فعلًا وما الذي ليس إلا مظهرًا؟) والإبستمولوجيا (ما الذي يمكن لنا معرفته وكيف لنا أن نعرفه إذا كان هذا ممكنًا أصلًا؟) والمنطق (ما هي مبادئ التعليل الصحيح؟) والأخلاق (ما هي القيمة الأخلاقية؟ وما هي القيم التي ينبغي علينا تبنيها؟).

ليس من المستغرب على ضوء هذا التصور أن يصبح كل شيء خاضعًا للفلسفة في ذهن المراهق؛ على الفيلسوف أن يضعَ المفاهيم ويرسمَ حدودها ويحددَ ما هو جدير بأن يُعمل به، وعلى البقية أن يسيروا خلفه إذا ما أرادوا أن يسلكوا طريق الصواب.

لستُ هنا بصدد تحليل الأسباب التي أدت لتسيد هذا التصور دون غيره، ولن أحاول تقصي العلاقة بين المؤسسات الأكاديمية ووظيفية الفلسفة إلا ضمن نطاق ترسيم أعراض المراهق-فلسفيًا. ولذا، أوجزُ هذه النقطة كما يلي: فيما أخذ المنهج العلمي والعلموية يحتكران المعرفة وماهيّتها، وفيما بدأ التقسيم الحاد بين مختلف المجالات في التبلور، وجدت العلوم الإنسانية نفسها في مأزق. من جانبٍ أول، رسختْ النتائج المادية المباشرة للعلوم الطبيعية في الأذهان فكرةَ إمكانية تبني الإطار العلمي-الطبيعي وبالتالي توظيف العلوم الإنسانية في سبيلِ تحقيقِ نتائج ملموسة على أرض الواقع وفي سبيل ركوب موجة التطور والتقدم. ومن جانبٍ آخر، من باب مواكبة الفصل الموضوعاتي بين مختلف العلوم الطبيعية، نحت العلوم الإنسانية هي الأخرى باتجاه هذا الفصل. 

تصنيف توماس هوبز المعرفي الذي يبدأ من الفلسفة، ١٦٥١م. الصورة من هنا

يبدو الأمر حتى الآن مبررًا ومفهومًا؛ يمكن على مستوى المقاربة تناول أي موضوعٍ من زوايا مختلفة واعتبارِ كلٍّ من هذه الزوايا “مجالًا” محددًا له ماهيته وخصائصه. ولكن، بطبيعة الحال، مثلما أن التصور النظري حول فصل المجالات العلمية مستمدٌّ من الواقع، تَفَاعَلَ هذا التصور مع الواقعِ فاُعيد تشكيل كل منهما. أتحدث هنا بشكلٍ رئيسي عن نتيجتين إشكاليتين:
أولًا، تحولت المقاربات في الأذهان من مجرد زوايا مختلفة للواقع نفسه إلى عوالم منغلقة على ذاتها. بعبارةٍ أخرى، بدا وأن العلاقة بين الواقع والمقاربة علاقةٌ لازمةٌ تلغي (أو تهمش) ما سواها. 
ثانيًا، ضمن هذه العوالم المنغلقة على ذاتها، تبلورت عدة مواضيع “حصرية” لكل مقاربةٍ لا يحق للعوالم الأخرى المشاركة في صياغتها أو تناولها.

كيف يتجلى ذلك فيما يتعلق بالفلسفة؟ الإشكال الأول يعني أن المنهجية الفلسفية مستقلة نظريًا عن بقية المجالات. بعبارة أخرى، المقاربة الفلسفية لأي موضوع مقاربةٌ فلسفيةٌ بحتة، أي أنها تصاغ ضمن نطاق ما هو فلسفي (وهذا يعتمد على مفهوم الفلسفة طبعًا). أما الإشكال الثاني فهو يعني أن موضوع التفلسف في المقام الأول والأخير خاصٌّ بالفلسفة، وأن للمجالات الأخرى استخدامه وفق “الضوابط” المصاغة فلسفيًا وحسب. نتيجةُ هذين الإشكالين واضحةٌ في رسالة جامعة نيويورك أعلاه حول مفهوم الفلسفة، ويكفي أيٌّ منا الاطلاع على برامج الفلسفة في كبرى الجامعات عالميًا لإدراك أن البرامج (أي المؤسسات التعليمية بشكلٍ عام) تُبشّر فلسفيًا بمواضيع محددة ومقاربات محددة تنتج بدورها تصورًا محددًا عن ماهية الفلسفة وارتباطها “مجاليًا” بغيرها. 

مجددًا، لستُ هنا بصدد تحليل عواقب مأسسة الفلسفة (يمكن للراغبين الاطلاع هنا على مقالةٍ قصيرة تُجيد نقد “حرفة” الفلسفة وتستعرض بشكلٍ وجيز التحولات في مواضيعها مؤسساتيًا منذ سبعينات القرن الماضي). ما يهمني هنا هو المراهق-فلسفيًا، أي الذي يفتح عينيه على الحياة على مفهوم الفلسفة المؤسساتي هذا فيتبناه عقيدةً يدافع عنها بوجه العدى. بل يهمني تحديدًا أعراض مراهقته الفلسفية في سياق ثنائية الفلسفة-الرواية المزعومة.

كما ذكرتُ أعلاه، يعتقد هذا المراهق أن هناك فلسفةً محضة بأسئلتها وموضوعاتها ومنهجيتها التي تُمايزها بوصفها مجالًا أو تخصصًا عن غيرها، كما يعتقد بأن الفلسفة أساس كل شيء. يصاحب هذا الاعتقاد امتيازًا يمنح المراهق-فلسفيًا حق الخوض في كل شيء من فكرٍ ودينٍ وعلمٍ وفن وأدب ومجتمعٍ ونفسٍ وسياسة وغيرها. ولكنه في الوقت نفسه لا يُعطي حق التفلسف لمن يدنس نفسه بممارسة إحدى هذه المجالات. بعبارةٍ أخرى، في تصور هذا المراهق، يستطيع الفيلسوف إنتاج فلسفةٍ سياسية، أو فلسفةً تطرح الأسئلة الكبرى حول السياسة، ولكن لا يحق للسياسي أن يطرح الفلسفة بالشكل ذاته. ينطبق الأمر نفسه على الروائي؛ يستطيع الفيلسوف المدرك والملم لجواهر الحقائق أن يطرح فلسفته عن الرواية كيفما يشاء، ولكن حذار على الروائيين التفلسف حول صنعتهم!

أتطرق هنا لاحتجاجٍ بسيطٍ قبل إكمال هذه النقطة. قد يحتجّ أحد النبهاء بأن المفردات من قبيل “فلسفة سياسية” ليست سوى مفردات توصيفية مشروعة، وبأنها لا تُطبّع أي علاقةٍ هرمية تراتبية بين المجالات. ينطبق الأمرُ نفسه أيضًا على فلسفة العلم، إذ يمكن اعتبار العلم هنا مجرد موضوعٍ للطرح الفلسفي دون أن يشير لدونيته لا من قريبٍ أو بعيد. هذه الفكرة سليمة نظريًا ولا إشكال فيها طالما أقرّت بعدم وجود “مجال” منفصل اسمه الفلسفة إلا على مستوى المقاربة. بعبارةٍ أخرى، ليس هناك فلسفة محضة وفلسفة سياسية مثلًا، بل هناك مقاربةٌ فلسفية/نظرية يمكن أن تتخذ السياسة أو الفن أو الأدب أو الوجود مواضيعًا لها، وهي المقاربة المتعلقة في المقام الأول والأخير بالسؤال عن المعنى، بالسؤال عما يعنيه أي موضوعٍ في علاقته بالذات أو اللاذات. العمل الفلسفي (بغض النظر عن موضوعه) هو في نهاية المطاف تعبيرٌ نظريٌّ عن علاقة الذات بموضوع، أي هو تساؤل عما يعنيه الموضوع في تفاعله المتبادل مع الذات. قد يتخذ هذا التعبير شكلًا برهانيًا (يستكشف آرثر ميلزر أسباب تسيد هذا التعبير وعلاقته بكلٍّ من الظروف الاجتماعية-الاقتصادية في بعض الدول الغريبة وبالدور الوظيفي للفلسفة ضمن مؤسسات التعليم العالي)، لكنه قد يتخذ كما اتخذ في السابق أشكالًا أخرى من أدبٍ ومسرح وحواراتٍ وملاحم وفن وغيرها. وفي وقتنا الحالي، قد تتخذ الفلسفةُ الأفلامَ وألعاب الڤيديو والأغاني أشكالًا لها أيضًا. كتبتُ عن ضرورة إعادة اعتبار الفلسفة جزءًا من الحياة اليومية في البيان اليومياتي، وكتبتُ عن المضامين الفلسفية بأغنية Chained to the Rhythm وأغنيتي الكابتن رابح والكابتن ماجد، ولذا لن أطيل فيه هنا.

نستنتج من هذا أن الفلسفة ليست أساسًا بالمعنى الحرفي لبقية المجالات، بل أنها أساسٌ من حيث أن أيَّ مجالٍ وأي ممارسةٍ ينطلقان من تصورات محددة عن ماهيات الأمور ومنتهاها. ومثلما تتشكلُ المجالات وتتغير بالتفاعل مع الأسس الفلسفية التي تنطلق منها، فإن الأسس الفلسفية هي الأخرى تتشكل وتتغير بالتفاعل مع ما تجنيه من التجربة والممارسة. هنا جانبٌ مهم آخر حول قصور المفهوم الضيق للفلسفة. بما أنها مرهونةٌ بالأسئلة الكبرى في هذا التصور، فإن هناك اعتقادًا ضمنيًا بوجود “أجوبة” محددة لا بد من التوصل إليها قبل الشروع في العمل. بعبارةٍ أخرى، لا بد في البداية من ضبط المعنى مجردًا (قبل) الخوض في تمثلاته وتطبيقاته واقعيًا. وفق هذا التصور، لا عجب أن يسعى المراهق-فلسفيًا لإيجاد آخر الأجوبة والإلمام بها كي يتأكد من أنه ركّب التحديث الفلسفي الأخير. فما الذي يدفعه مثلًا للتبحر في تصور توماس پين للعلمانية طالما صار هناك تحديث تشارلز تايلور لها؟
تشوه النزعة النتائجية هذه وتُلغي أحد أسس الفلسفة: عملية التساؤل بحد ذاتها. إلغاء العملية يعني بالضرورة إلغاء التفكير، وإلغاء التفكير يعني بالضرورة إلغاء الفلسفة. الثنائيات التي ذكرتها في بداية المقالة منبثقة من هذه النزعة، إذ هي تبدأ من كون طرفي الثنائية جوابين عن تساؤلاتٍ سابقةٍ تم الإجابة عنها. وبذا، ينتهي حد التفلسف في مثل هذه التساؤلات ويجب الانتقال لغيرها وعدم تكرارها. ترجمتُ قبل فترةٍ مقالةً تسلّط الضوء على مفهوم “التقدم” وتستكشفه من وجهة نظرٍ تاريخية، ولعل من الجدير التنويه به هنا من باب فهم خطورة استيراد “تقدم” فلسفي شبيه. 

أعودُ هنا لتبشير المراهق-فلسفيًا بالتناقض المزعوم بين الفلسفة والرواية. بما أنه قرر من البداية الإيمانَ بمفهومٍ مؤسساتي ضيّقٍ للفلسفة، فمن الطبيعي أن تبدو له الرواية خارج نطاق الفلسفة سواء على مستوى الموضوع أو مستوى التعبير. أقصى ما يمكن للمراهق أن يقرّ به -كما ذكرت- هو أن يسمي روايةً ما روايةً فلسفية وقتما تطرقت هذه الرواية لأسئلته الكبرى أو تناولت أحد مواضيعه “الفلسفية” المفضلة. تسميتها بالرواية الفلسفية لا يعني أنه يعترف بأيٍّ من أبعادها سوى البعد الفلسفي المزعوم، كما أنه لا يعني إقراره بالشكل الذي اتخذته الفلسفة في الرواية إلا من حيث إمكانية قولبتها في منظومةٍ برهانيةٍ فلسفية مستقلةٍ عن الرواية. ولذا ليس من المستغرب أن تجد هذا المراهق يتحدث عن روايات من قبيل الغثيان أو عالم صوفي أو الجريمة والعقاب، فالأولى روايةٌ “تشرح” الوجودية لمن لم يخض غمار الفلسفة الوجودية الحقة، والثانية تاريخٌ فلسفيٌ مكتوبٌ بطريقة شيقة ووجيزة لأولئك الذين يحتاجون مدخلًا للفلسفة، فيما يمكن اعتبار رواية دستويفسكي سبرًا فلسفيًا لأغوار النفس البشرية طالما اقتصرت “أهمية” الرواية على فلسفة الأخلاق والعدالة.

لكن مفهوما الفلسفة والرواية أوسع مما يدور بعقل المراهق-فلسفيًا، والأهمية المنسوبة للرواية طالما نحت للفلسفةِ ليس إلا انتصارًا للمفهوم الضيق (يشمل هذا الانتصار محاولات الدفاع عن الرواية ضد التناقض من خلال تبجيل الرواية الفلسفية). الأهمية الحقيقية للرواية هي في كونها………. الحقيقة أن من الممكن ملء الفراغ بأي دافعٍ لقراءة الرواية وستكون الإجابة صحيحةً نسبيًا ومغلوطة في السياق الأكبر للأمور. لكل منا دافعه الخاص لقراءة الرواية أو أي نصوص أخرى. قد يكون هذا الدافع الاستمتاع أو تزجية الوقت أو الاستزادة اللغوية أو استكشاف عوالم أخرى أو تقصي السياقات الثقافية أو حتى قراءتها بوصفها عملًا جماليًا وحسب. كل هذه الدوافع مشروعة، وأي محاولة لإلغاء أحدها أو تهميشه ليست إلا محاولةً لبناء هرمية في عالم الروايات. لا يعني هذا طبعًا أن الأعمال سواسية ولا أنها جميعًا في سلة واحدة، بل يعني أنه لا يوجد “أهمية” مطلقة للرواية. والأخطر من الاعتقاد بوجود أهميةٍ أو فائدة مطلقة للرواية هو تبني هرمية مستلهمةٍ من التصور الضيق للفلسفة، سواء من ناحية قبول الفصل بين الفلسفة والرواية أو من حيث إيلاء الأفكار اعتبارًا أكبر.

من شأن التساؤل حول مفهوم الفلسفة الضيق أن يرمي بالتناقض بينها وبين الرواية إلى ذات القمامةِ التي تُوضع بها آراء المراهق-فلسفيًا. بما أن الفلسفة تعبير نظري عن علاقة الذات بموضوعٍ ما، فإن الشكل الذي يتخذه هذا التعبير ليسَ ضرورةً للتفلسف، أي أن العلاقة بينهما ليست لزامية. بل أن تقصي اختيار الشكل جزءٌ من الفلسفة بحد ذاته، إذ يمكن التساؤل عما يحيط بهذا الشكل من علاقات ذاتية. لكن قد لا يصحّ ذكر مثل هذه الأفكار أمام المراهق، إذ أن تقصي مثل هذه المواضيع بالنسبة له مواضيع +١٨.

وفيما لا أعوّل على المقدرة النقدية للمراهقين-فلسفيًا في تخطي التصور الفلسفي هذا، أتفاءل بمن يأخذ على عاتقه مقاومة النزعات التي ترسخها منظومتهم. من الضروري إدراك أن تسيّد المراهقين-فلسفيًا للساحة يعني على المدى الطويل تجميد كل من الفلسفة والرواية بذات اللوثة التي جمدت أذهانهم في مراهقتها. إحدى علامات تجاوز المراهقة الفلسفيّة هي قدرةُ الفرد على إيجاد الفلسفةِ أينما كانت دون أن يحتاجَ لأن يُمسك أحدٌ بيده وأن يدله على مكامنها. بقاؤه فيها يعني أنه سيظل عاجزًا حتى عن إدراك النصوص “الفلسفية” البرهانية الواضحة الموجزة. وقانا الله وإياكم شر المراهقة الفلسفية بعد أوانها.

  1. اسماء الكتب والروايات غير ظاهرة، هناك مربعات بدلا منها ومضمنة بروابط

ما رأيك بالمنشور؟