لما أنهيتُ تسجيل الحلقة الأخيرة مع الصديق الوليد العيسى على بودكاست أرباع، كنت أعرف أني جبتُ بعض العيد. كنت آمل أن سحرًا مونتاجيًا ما سيغير أو يخفف من استطراداتي المتزايدة التي سَلَبَتْ من الموضوع وحدته ومعناه. وفيما نجحت الحلقة بشكلها النهائي في إعادة ترتيب العديد من الأفكار المبعثرة أثناء التسجيل، ظل شعور جيبة العيد يلازمني كلما قارنت ما قيل بما لم تتسنّ لي فرصة قوله.

تدور الحلقة بشكل رئيسي حول مقالتي التي كتبتها لثمانية في جزئين: حمل الجزء الأول عنوان المركزية الأوربية وصناعة الشرق الأوسط، وشكّل أرضية نظرية حول ابتداع مصطلح الشرق الأوسط والمفاهيم المتخيلة عنه وعلاقته بمركزية أوروبا والقوى الاستعمارية آنذاك. أما الجزء الثاني فقد حمل عنوان صعود دراسات الشرق الأوسط، وكان محاولة مبدئية للربط بين تبلور الشرق الأوسط كمجال بحث في المؤسسات التعليمية العليا وازدياد أهمية المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية سياسيًا. استنتجتُ أثناء عملية إنجاز البحث ما يلي: بَنَت أمريكا على الإرث الاستعماري بمتخيلاته وافتراضاته عن جوهرانية الشرق الأوسط، وتَطَوّر مجال بحث الشرق الأوسط بارتباط وثيق مع الأحداث السياسية بالمنطقة. بعبارة أخرى، مجال الشرق الأوسط بشكله الكلاسيكي سياسيٌّ في نشأته وغاياته.

حاولت في حلقة أرباع تناول بعض الأفكار المرتبطة بهذين الاستنتاجين، أو حاولت على أقل تقدير توضيح بعض الأسس التي انطلقتُ منها في ترسيم ملامح الأطروحة الرئيسية. ولأن ما يبدو لي واضحًا قد لا يكون كذلك فعلًا (الفكرة دائمًا أوضح في ذهن قائلها)، قررت إعادة صياغة بعض النقاط كتابيًا لعلها تسهم في طرح سرديةٍ أكثر رصانة. أتتبع في هذه المقالة نفس ترتيب محاور الحلقة.

الهوية: الشرق vs. الغرب

كثيرًا ما تُستخدَم فكرة الهوية في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية. نجدها مثلًا في التحليلات حول العنف أو الشعائر الدينية أو الاصطفافات السياسية أو حتى في تفسير حزمة العقائد والممارسات اليومية التي قد يحملها الأفراد أو الجماعات. تفسير الظواهر على ضوء الهوية في هذا السياق يصطبغ عادة بصبغة ميكانيكية، بحيث تكون الهويةُ علةً والظاهرةُ نتيجةً حتمية. يتخذ الأمر الصيغة الآتية: حدثت الظاهرة س بسبب تبني الأفراد المنخرطين فيها للهوية ص. العديد من التحليلات حول الحروب الأهلية أو الحروب الطائفية وما شابهها تتبنى هذه الصيغة في تفسير دوافع الحروب وأهدافها.

هذه التحليلات ومثيلاتها تشييئية، أي أنها تتعامل مع الهوية كما لو أنها “شيء” له حدوده وملامحه وكينونيته. يؤدي هذا التشييء إلى عاقبتين: أولًا، تُسلَب الهوية طبيعتَها الديناميكية. هذا يعني أنها تُخرَج من كونها مفهومًا آخذًا في التشكل وإعادة التشكل باستمرار باتجاه كونها شيئًا ثابتًا غير متغير. ثانيًا، امتدادًا للفكرة نفسها، يُعامل الأفراد المتبنون لهويةٍ ما كما لو أنهم غير فاعلين لا في تبنيها ولا في صياغتها. تصبح الهوية شيئًا مفروضًا له تَبِعاته على تصرفات الأفراد، بل أن تصرفات الأفراد بحد ذاتها تُقرأ بوصفها تجليًا لهاته الهويات دونما اعتبار لبقية الأبعاد. 

يرتبط هذا التشييء أيضًا بما يمكن تسميته بالجوهرية (Essentialism). بشكلٍ عام، الجوهرية هي الفكرة القائلة بأن جوهر الشيء هو ما يعطي الشيء ماهيته، وبالتالي فإن من شأن تقصّي هذا الجوهر فهمُ ما يمتدّ أو يتفرع منه. في سياق الهوية، يمكن التمثيل على ذلك كالتالي: قام فلان بهذا الفعل لأنه شيعي. يربط هذا الحكم بين النتيجة (الفعل) والعلة (التشيّع). ووقتما رُبطت كل الأفعال المشابهة بتشيّع الأفراد الذين قاموا بها، يمكن القول بأن هناك نوعًا من الجوهرية في هذا الربط، أي أن هناك جوهرًا معينًا في التشيع من شأنه دفع الشيعة للقيام بهذا الفعل.

كانت هذه السطور مقدمة للعودة لما ذكرته في الحلقة والمقالة: بنى مفهوم الشرق الأوسط على أسس تشييئية للشرق والغرب المتخيلين. لم يعد “الشرق الأوسط” مجرد إشارة جغرافية لمنطقة محددة، بل صار يستخدم أيضًا في سياقات ترسيم الثقافات والأفعال والمنظومات القيمية وغيرها للشعوب المُكوّنة له. أستشهد كالعادة بمثال آين راند في المقطع اليوتيوبي أدناه:

نرى في هذا المقطع تضمن حديث آين راند لنوعٍ من الجوهرية في معرض وصفها للعرب، إذ ارتبطت البدائية والوحشية والتخلف في نظرها بكونهم عربًا “لم يتغيروا مدة طويلة.” وهذا جزء مما أعنيه بتشييء الهوية وعواقبها: تصبح الهوية قوة مهيمنة على الأفراد الذين ينتمون إليها (سواء كان هذا الانتماء اختياريًا أو مفروضًا) بحيث تتحكم في أفعالهم واعتقاداتهم وتصرفاتهم بما يشيّؤها ويسلب عنهم فاعليتهم.

الشاهد من كل ما ذكرته بالمقالة والحلقة هو أن إزاحة هذا التشييء وهذه الجوهرية خطوةٌ أساسية في سبيل مناوئة الخطابات الاستعمارية، أي في سبيل مقاومة هيمنتها الثقافية علينا. ولا يكفي في سبيل ذلك أن ننتج خطاباتٍ هوياتيةٍ مناهضة للتصورات المفروضة، بل أن نوجه النقد للإطار الذي تلعب فيه هذه التصورات دورًا رئيسيًا كذلك. هذا ما يجرني للحديث عن النقطة التالية.

التقدم والتأخر والمركزية الغربية

ذكرتُ في الحلقة أن خرافة التقدم والتأخر ترتكز على منظورٍ تاريخيٍّ أوروبي المركز (أستخدم هنا غربيّ المركز لضم أمريكا تحته)، حيث تصبح التجربة التاريخية الغربية معيارًا تقاس على ضوئه بقية التجارب. ولذا فإن العناوين من قبيل لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ تصبح ذات معنى ضمن هذا الإطار التقدمي/التخلفي، إذ تتراتب الشعوب على تاريخ خطي بحسب اقترابها من الطليعة. وطالما وُضِع الغرب في طليعة هذا الخط التاريخي، فإن من شأن المفاهيم والتصورات أن تتراتب هي الأخرى على ذات المنوال، فتكون المفاهيم المستخدمة في تحليل واقع الغرب أدواتٍ صالحة لتحليل كل زمانٍ ومكان.  

أستشهدُ بكل هذا للتدليل على أن من الممكن تكريس المركزية الغربية حتى أثناء محاولة تقويضها. ينتج ذلك من خلال التوظيف غير الناقد للأدوات التحليلية، أي من خلال استخدام المفاهيم كما لو أنها مفاهيم كونية أو طبيعية أو محايدة. كتبت قبل بضعة أشهر مقالةً أحلل فيها مثل هذا التوظيف غير الناقد لمفهومي الفردانية والجماعاتية، وحاولتُ فيها تبيان الإشكالات النظرية الكامنة في استخدامهما بوصفهما امتدادًا للفرد والجماعة دونما أي اعتبار أو مساءلة لمفهومي الفرد والجماعة بحد ذاتهما. بعبارةٍ أخرى، أزعم أن مفهومي الفرد والمجتمع في الفردانية والجماعاتية محملان آلريدي بمضامين تجربةٍ تاريخيةٍ محددة، وبالتالي لا يمكن استخدامهما في تحليل ظواهرنا دون الوقوع في فخ الإعلاء من شأن هذه التجربة التاريخية. 

أستحضر هنا فكرة شبيهة: نقد الخطابات المهيمنة غربية المركز يستوجب نقد الأدوات المستخدمة في تحليل ظواهرنا. هذا يشمل مثلًا تفكيك حزمتي التقدم والتخلف المزعومتين وتفنيد المنظور التاريخي الخطي وتقصي تاريخانية أبسط البديهيات والمصطلحات التي اعتدنا تقبلها في معرض تحليل الواقع. هناك العديد من الأمثلة التي يمكن طرحها هنا، لكني سأختار مثالًا ما زلت أحاولُ فهمه شخصيًا: في معرض فهم الخطابات التي تتناول الإسلام والمسلمين، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار تاريخانية مفردة الإسلام المستخدمة فيها. فعلى سبيل المثال، حتى فترة ليست بالبعيدة، ظلت مفردة “محمديين” مستخدمةً في الإشارة لمن يدين بالإسلام (لعلها على غرار مفردة “المسيحيين” وعلاقتها بالمسيح). وبالتالي فالتساؤل عن الحيثيات التاريخية التي أدت لنضوب استخدام المفردة ومثيلاتها ومن ثم استخدام مفردة “مسلمين” بكل ما تحتمله من أبعاد سياسية في الخطابات الغربية تساؤل مشروع. والتساؤل مشروعٌ أيضًا حول محاولات تعريف ماهية محددة للبعد الديني في الإسلام بحيث يرتسم على حدود ما هو متعارفٌ عليه مثلًا في المسيحية وكنيستها وما إلى ذلك. 

هناك العديد من الأبحاث التي أجريت آلريدي على النزعة لفهم الأديان كما لو إنها موازية في تكوينها ومعانيها وطقوسها للمسيحية (كمحاولات تنظيم الهندوسية). وبالتالي فإن نقد مفهوم الهندوسية الذي تبلور على يد القوى الاستعمارية يستوجب أيضًا نقد مفهومها للدين، وإلا لظل النقد على مستوى القشور دون أن يطال الجوهر. ينطبق الأمر نفسه بطبيعة الحال على الدراسات الإسلامية الكلاسيكية وغيرها. 

عزيزي حسين، بمناسبة استخدامك كلمة “خطاب” مليون مرة، تفكر نفسك فوكو مثلًا؟

استندتُ في المقالة الأساسية على تعريف إدوارد سعيد الثالث للاستشراق في مقدمة كتابه: الاستشراق بوصفه خطابًا للهيمنة على الشرق. يستند هذا التعريف بدوره على مفهوم الخطاب عند فوكو، وحاولتُ في حلقة أرباع التطرق لجزء من معنى هذا المفهوم. لا أدري إن كنتُ واضحًا بما فيه الكفاية هناك، ولكن التوسع فيه مجددًا هنا لا يضر، خصوصًا أن تفكيك الخطابات المهيمنة خطوةٌ رئيسية في سبيل مناوأتها وإنتاج خطابات بديلة.

قلتُ أن من الممكن تعريف الخطاب بوصفه منظومةً من التعبيرات التي تنتج علاقات القوى، أي بوصفه وسيلةً لإنتاج السلطة والمعرفة. هذا التعريف المنظومي يعني أن الخطاب يتكون من العديد من العناصر، حيث تُوظَف هذه العناصر في سبيل إنتاج القوى المناوئة للوضع الراهن أو إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة. كتبتُ قبل عامٍ ونصف مقالة أحلل فيها أغنية Chained to the Rhythm بوصفها خطابًا سياسيًا، أي بوصفها إحدى وسائل مقاومة صعود ترامب للسلم السياسي الأمريكي. في سبيل تعريف خطاب الأغنية السياسي، ارتكزتُ على ثلاث ثيمات رئيسية تحتويها الأغنية:

  1. انفصال الناس عن الواقع ورؤيته بغير ما هو عليه
  2. تقبل غالبية الناس للخطاب السياسي دون وعي أو نقد
  3. فرض الأحزاب لسياسة “فرق تسد” المفروضة من أعلى الهرم

بعبارةٍ أخرى، من خلال تفاعل هذه الثيمات الثلاثة مع معنى الأغنية، صار من الممكن اعتبارها منظومة من التعبيرات المناوئة لانتخاب ترامب، أي صار من الممكن اعتبارها خطابًا سياسيًا. أنوه مجددًا: لا أحمل الأغنية أكثر مما تحتمل، والأمر برمته ممارسةٌ تحليلية أكثر.

لكن يمكن لهذه الثيمات الثلاثة بحد ذاتها أن توجد بمعزلٍ عن هذا الخطاب، أو أن يوجد بعضها كجزءٍ من خطابٍ آخر، أو حتى أن توجد جميعها في خطابٍ يحافظ على الوضع الراهن بدل مقاومته. هذه المرونة امتدادٌ لكون الثيمات عناصرًا للخطاب، أي أنها مكوّنات توظف بحسب السياق والمعنى المعطى، وبالتالي يمكن أن تكون عناصرًا في خطابات مغايرة تمامًا. لهذا السبب يمكن إنتاج خطاب مناوئ للخطابات الاستعمارية من خلال إعادة توظيف عناصرها بشكلٍ مختلف أو حتى عبر تحليلها في مرحلتها ما-قبل-الخطابية. 

أهدف من وراء استعراض معنى الخطاب الوجيز هذا الإشارة إلى ما ذكرته عن تفكيك الخطاب الاستعماري. حين تصوغ القوى المهيمنة خطاب التخلف وتُقولب داخله عناصر ثقافية أو دينية أو اجتماعية أو غيرها من فإن من الضروري فك هذا الارتباط بينها في حالة أردنا تقديم خطاب بديل. بعبارةٍ أخرى، لا بد من تفنيد سلطة خطاب التخلف والمعارف التي ينتجها عبر تفكيك علاقات القوى المرسومة بين عناصره وتفنيد معانيها داخل هذا الخطاب. 

ما رأيك بالمنشور؟