أعلنت دار التنوير مؤخرًا عن إصدار ترجمتها لكتاب 12 قاعدة للحياة، للباحث وعالم النفس الكندي جوردن پيترسن. احتفاء الدار ومتابعيها بصدور الكتاب وطريقة التسويق لهذا الإصدار الجديد لا تتجاوزان الاحتفاء بصدور ترجمة لأي كاتب أجنبي مشهور إلى اللغة العربية. لكن ما يثير التساؤل هو احتفال مجموعة من الجماهير والقرّاء بوصول أعمال جوردن پيترسن إلى العربية، وكأنّ صدور پيترسن بالعربية ضرورةٌ جاءت متأخرة للقارئ العربي. 

لا أريد التطرق هنا إلى ما إذا كان كتاب پيترسن 12 قاعدة للحياة مهمًا أم لا، أو ما إذا كان جوردن أعلى أو أقلّ مرتبةً من غيره كباحث وعالم نفس. سأتناول أسباب صعود ظاهرة جوردن پيترسن في العالم العربي، وارتباطها ببزوغ نجمه في كندا والولايات المتحدة الأمريكيّة، ومن ثم في باقي أصقاع العالم. 

مسيرة جوردن پيترسن الأكاديمية مميّزة وتستحق الإشادة. بدأ پيترسن كباحث وأستاذ مساعد في جامعة هارڤارد الأمريكية قبل أن يصل إلى كرسي أستاذ علم النفس في جامعة تورنتو، التي ما زال يحاضر فيها حتى اليوم. إضافةً لذلك، پيترسن أخصّائي علاج نفسي ومدرّب أخصائيين، إذ يعتبره الكثيرون أحد أهم الأسماء الكندية في هذا المجال. غير إنّ ظهور پيترسن العالمي عام 2016 لم يكن بسبب تفوّقه الأكاديمي، بل كان بسبب الفيديو الذي عرضه في قناته على اليوتيوب حول رفضه لتشريع قانون فرض استخدام ضمائر مجتمع الميم (LGBTQ) في كندا، ونزوله إلى الشارع أمام جامعة تورنتو لمواجهة هذا القانون من باب الدفاع عن حريّة التعبير. منذ ذلك الحين، بزغ اسم جوردن پيترسن بشكل كبير، وتحوّل إلى نجم شبابي وجماهيري تتزايد أعداد متابعيه بالملايين!

بقدرِ ما أعطته معارضته لقانون فرض استخدام الضمائر شعبية ومؤيّدين، شكلّت له من الجانب الآخر قاعدةً من المخالفين الذين يهاجمونه وينتقدون مواقفه ويتهمونه بالرجعيّة وترجيح المسيحيّة الذكوريّة البيضاء. كما إنّ الإعلام الغربي، في غالبه، لم يكن مؤيّداً لمواقف وآراء پيترسن التي تبعت شهرته، كانتقاداته المتواصلة لليسار وموقفه من النسويات على وجه الخصوص.

ما حدث جعل الكثير من الناس يعيدون مشاهدة محاضرات پيترسن الأكاديميّة والاطّلاع على آرائه المعرفية والعلميّة، ممّا أعاد تداول ما قدّمه من قراءات معرفية سابقة، وإدخاله في مناظرات كثيرة حول الإيمان والإلحاد، الأبعاد الثقافية للنصوص الدينية، تطور الإنسان السيكولوجي، أصل الأخلاق، الماركسية الحديثة وما-بعد-الحداثة، وغيرها من المواضيع المثيرة للجدل. 

مع بزوغ نجم پيترسن، بدأ الكثير من الشباب متابعته ووضعه في مقام الجورو (Guru). ليس السبب في ذلك كلام پيترسن التحفيزي عن تطوير الذات أو مهارته الفائقة في الخطابة أو سعة اطّلاعه أو آرائه السياسيّة، وليس نتيجةً لاشتغاله الأكاديمي أو قراءة كتابه الأول خرائط المعنى، الذي كرّس پيترسن 13 عامًا لكتابته. يعود هذا الإعلاء إلى أسبابٍ ترتبط ارتباطًا مباشرًا بطرحه أفكارًا ذات أبعاد دينيّة بطابعٍ جديد. سأتناول هنا مفهومه عن الله، تحليله للنصوص المقدسّة وموقفه من الإلحاد، كما سأتطرّق إلى كيفيّة إضفائه بعدًا دينيًّا في قواعد تطوير الذات. 

يجيب بيترسن عندما يُسأل عن إيمانه بالله أو عدمه: “أتصرّف كما لو أنّ الله موجود”[1]. حيث تمكّنه إجابته من الإفلات من أي محاكمة مباشرة حول مفهوم الله أو الإيمان به، والإفلات من سؤال انتمائه الديني أو الأيديولوجي. هكذا يوهم السامع بأنّ هناك دلالة معرفيّة عميقة في إجابته، واجتياز طريق طويلة قبل تحديد القرار. لكن الخطورة في إجابة پيترسن لا تكمن في انتحال صفة الزئبق، بل انتحال صفة المجدّد بعلاقة خارجة عن الأطر الدينيّة المعهودة، فيما هي دينيّة في الجوهر. بعبارةٍ أخرى، يقدّم پيترسن إجابته على أنّها خارجة عن إطار اللاأدرية لكونها أكثر اتّساقاً مع معرفة الإنسان وبنيته السيكولوجية، ورافضة لإطار الإلحاد الذي يعتبره پيترسن وحشيّة محضة، سأعود إلى موقفه من الإلحاد لاحقاً في المقالة، حيث يبرّر پيترسن إجابته بكلام منمّق ومزخرف بالدراسات السيكولوجية والعلمية دون أن يمسّ جوهر السؤال. 

غير إنّ الصوت الداخلي في خطاب پيترسن يمثّل صوت المتديّن المسيحي. قد يُذهِلُ أسلوبه من لا يمتلك أدوات معرفيّة في قراءة ونقد الخطاب، أو غير المعتاد على رطانة اللغة الدينيّة المتخفيّة بطابع علمي. فواقع إجابة پيترسن مستمّد من صلب الرؤى اللاهوتية للديانات السماوية بشكلٍ عام، والمسيحيّة بشكل خاص. فليست عبارة “أتصرّف كما لو أنّ الله موجود” إلا وجهاً آخر لعبارة “فإن لم تكن تراهُ فهو يراك”، أو لا تتجاوز كونها أحد أشكال رهان باسكال[2].

في حواره مع سام هاريس في فانكوفر عام 2018، عندما أحرجه هاريس أمام الجمهور وطالبه بإجابة مباشرة، كانت إجابة پيترسن حول مفهوم الله إجابة تعتمد على رطانة اللغة، إذ أستخدم پيترسن كل ما يمكن التعامل معه بشكل قيمي ومجرّد بطريقة شعريّة منمّقة، ووضعه في سياق سيكولوجي-بيولوجي وإعطائه صفة إلهية[3]. حيث يمكن استخدام نفس الأسلوب في الحديث عن الأشباح والكائنات الفضائية و”دراغون بول”، وهذا ما ردّ به هاريس في الحوار. 

يتّبع پيترسن ذات الأسلوب في تعامله من النصوص المقدّسة، وأخص هنا العهدين القديم والجديد، من خلال إعطاء النص بعدًا لا يمكن لنا كبشر الاقتراب من كنهه[4]. يقوم پيترسن بذلك عبر نقل المعاني والدلالات التي تحملها هذه النصوص من كونها نتاجًا لرؤى وطرق تفسير وأسلوب كتابة وصل البشرُ إليها في مرحلة ما، أي من كونها نصوص صيغت بطريقة تتناسب مع رؤى الناس في ذلك الوقت، إلى كونها نصوص تحمل في جوهرها لمسة إلهية، أو مشاركةً ما ورائية في صياغتها. ورغم نقد پيترسن اللاذع إلى ما-بعد-الحداثة، إلا أنّه يستخدم أدوات ما-بعد-حداثيّة في تعامله من النصوص المقدسّة[5]. إذ يمكن استخلاص ذلك من خلال تحليلاته للنصوص وفتحها على تفسيرات لانهائيّة. ذات اللعبة التي تمارسها بعض الخطابات الإصلاحية التي تدّعي التجديد من خلال اللعب على وتر الدلالات اللغوية غير المحدودة داخل النص. لكن للإنصاف، يحسب لپيترسن توغلّه واشتغاله في تحليل أعماق النفس البشرية التي أنتجت هذه النصوص.

من خلال فهم بنيّة خطاب پيترسن وما يستند عليه محاولاً إخفاءه برطانته اللغويّة، نستطيع تفهّم المنطلقات التي يحاكِم من خلالها الإلحاد، والتي في عمقها منطلقات دينيّة كلاسيكيّة. يدّعي پيترسن بإنّ الإلحاد بالضرورة انفساخ أخلاقي وقيمي، مستندًا في ذلك على رواية ديستوفسكي “الأخوان كارامازوڤ”[6].ونجد تكرار هذا الادّعاء الذي لا يستند على أي أرضية صلبة في الكثير من مناظراته وحواراته. بل إنّ هذا الادّعاء هو نفسه ادّعاء المصرّين على فكرة دينيّة الأخلاق والقيم الإنسانية. بالتالي هو ادّعاء يكرّس العلاقة الضرورية المزعومة ما بين الحضارة والقيم المسيحيّة. وهذا ما يكشف أنّ خطاب پيترسن ليس جديداً إلا في مفرداته فقط. 

هكذا يمكننا القول إنّ الخطابات التحفيزيّة وقواعد الحياة التي يصدح بها پيترسن في محاضراته لا تتجاوز كونها ضوابط وأوامر دينيّة بلغة تزخرفها الدراسات السيكولوجيّة والعلميّة الحديثة. فبدلًا من القول إنّ هذه القاعدة أو هذا التحليل أو هذا الواجب مفروضٌ انطلاقًا من النص، يعيد پيترسن صياغة كل ذلك مروراً بالدراسات العلمية الحديثة، ورجوعًا بها بشكل غير مباشر إلى النص، بطريقة فضفاضة تمكّنه من التملّص من تهم الخطاب التقليدي. هكذا تلامس طبيعة خطابه شريحة كبيرة من الناس، إذ تعيد ترسيخ ذات الأسطوانة الحضاريّة التصاعديّة، وتعيد تغليف هيمنة بعض الخطابات المحافظة بغلافٍ جديد. فبعدما هزّت الاكتشافات والدراسات والفلسفات الحديثة علاقات الإنسان دون إعطائه أرضيّة توازي صلابة البنى المحافظة القديمة التي اعتاد عليها، أو دون إعطاء هذه البنى برهة زمنيّة لتأسيس أرضيّة جديدة، عمل خطاب پيترسن على مزاوجة الأرضيّة المحافظة القديمة بالظروف الحديثة، وإعطاء الأفراد لغة تسترجع الأسس التي غطّتها الحياة الحديثة، غير أنّها لا تعطي شيئاً جديداً على الإطلاق. ولم أجد في هذا الخصوص أفضل من مقالة ناثان روبنسن “المفكّر الذي نستحق” المنشور في مجلة حكمة بترجمة هناء خليف غني، حيث يفكّك ناثان أسلوب پيترسن ويكشف أساساته[7]. فپيترسن يقول الكثير ولا يقول شيئاً في نفس الوقت. وهذا ينطبق على نقده للماركسية والنِسويّة، قول الكثير دون قول أي شيء!

في الختام، جوردن پيترسن هو بروبغاندا ذاته، وقد توافق صعود ظاهرته مع صعود “اليوتيوبرز” و “المؤثرين” في وسائل التواصل الاجتماعي. لعلّ انجذاب الجماهير العربية لخطابه علامةٌ على حضور أسسه في حياتها، ويلامس مشكلة العلاقة ما بين القديم والحديث في الثقافة العربيّة. 


[1] https://www.jordanbpeterson.com/podcast/s2-e15-who-dares-say-he-believes-in-god/

[2] https://iep.utm.edu/pasc-wag/

[3] https://www.youtube.com/watch?v=jey_CzIOfYE

[4] https://www.jordanbpeterson.com/bible-series/

[5] https://www.jordanbpeterson.com/philosophy/postmodernism-definition-and-critique-with-a-few-comments-on-its-relationship-with-marxism/

[6] https://www.youtube.com/watch?v=wwi9Q9apHGI

[7] https://hekmah.org/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%86%D9%8E%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%82/

ما رأيك بالمنشور؟