عدتُ للجلوس في مقهىً لوحدي بعد ثلاثة أشهر من الشوق إلى هذه اللحظة، وآهٍ ما أجملها من لحظة!
أجواءٌ جديدة، ومقهى جديد، وشعور جديد، وأفكار جديدة، وانطباعٌ جديد عن الوجود؛ بعد الغرق فيَّ، وفي الجدران، وفي التساؤل عما كان مألوفًا.

أجلس الآنَ، أفكر، صبغتْ تلك الأشهر الثلاثة وجوديَ بصبغةٍ أخرى جديدة، عن الناس، وعن المعنى، وعن الغايات، وعن السلوك. باتت صورةُ الآخرين في عقلي  أكثر اختلافًا مما كانت عليه، وأحداثٌ كثر، كثر؛ حدثت فغيرت.

أهم ما سأتطرق إليه هو المعنى: 
لماذا نعيش؟ 
سؤالٌ يخترق وجودَ المرء، شاء ذلك أم تجاهله.

قبل الأزمة، كان التصور عن المعنى هكذا: سببٌ مطلق الصحة والحقيقة، لا خلاف عليه، يسعى له المرءُ مهما حدث له ليحققه.
كان هذا التصور مختلقًا عن المعنى، مرافقًا  لاعتياد تكرار الأيام واستحالة تغيُّرها -ما الذي سيغيرها؟-. كل هذا جعل من المضي للمعنى أمرًا سهلًا لا يتطلب سوى وجود أكسجين و أنت فقط.
في الحادي عشر من مارس،  صرحت منظمة الصحة العالمية عما جعل العالم يدخل في قشرة جديدة لا مثيلَ لها: فايروس كورونا وباء عالمي.

حسنًا قلتُ، فترة جديدة مجهولة، وأمرٌ يثير الاهتمام.

في الأسبوع الذي تلا الإعلان، مُنع الذهاب للجامعات والمؤسسات عامةً، وبدأت الفترة تضع ملامحها القبيحة مجهولة الأمد.
كما بدأت الأيام تمضي بتكرارٍ بطيء مرهق، لا يُعرف الأمس من اليوم، اللبس ذاته، المكان، الأكل، البشر، الرائحة، الأصوات؛ لا شيء جديد، وسيستمر -مرة أخرى-  إلى أمد مجهول. 

كان التعليم عن بعد حبل نجاةٍ يربط الإنسان بما تبقى من العالم الخارجي الذي اعتاد عليه؛ حبلٌ مهترئ ممزق يعاني المرء بالتمسك فيه، إذ كان يجلبُ أصواتًا جديدة، على الأقل، بلا وجوهٍ طبعًا.
انتهى الشهر الأول ودخل العالم أبريل. أزمة اقتصادية، باتت حياة الدول الآن مهددة. تفاقم القلقُ. المعنى؟ كيف سأمضي له؟ هذا الذي يجعلني أتنفس كل يوم مع الأكسجين، ماذا سيحدث له؟ ماذا سيحدث لي أنا؟ ولدولتي؟ لا أحد يملك إجابة.

في مايو و يونيو بدأ الأمل يٌفقد بتكرار الأيام الممل وتكرار الأحداث. ما الذي تغيّر الآن؟ سلوكيات البشر وحسب. لأبحث عن معنىً فيها. طرحتُ هذا السؤال على نفسي بلا وعي مني. 

وجدتني أجعل من نفسيَ السابقة مبحثًا وجوديًا: عاينتها في أدق تفاصيلِ سلوكها و ولاحظتُ الفجوةَ التي أحدثتها تلك التفاصيل في غيابها عن يومي، ومدى افتقادي للشعور الذي كانت تحدثه. ركوبي للسيارة، لبسي لثوبي، رائحة عطر الخروج المفتقدة، الرغبات لفعل أي شيء، ولماذا يفعلُ الآخر ما يفعل؟

 كانَ هذا أكثر الأسئلة إلحاحًا:  لماذا؟ 
لماذا يصور؟ لماذا يكتب؟ لماذا يفكر؟ لماذا يعمل في مقهى؟  لماذا يوصل الطلبات؟ لماذا يصمم؟ لماذا يشرب قهوة؟ لماذا يلبس هذا اللبس؟
 تعريتُ من كل افتراضاتي المسبقة، من كل تصوراتي البديهية، من كل شيء، من كلِّ مغيّر، ومن كل مشتت، لم يبق سوى  وجودي، وأنا.

هذا الجلوس وحدي، فجأة بلا عملٍ ولا دراسة!
فجأة بعدَ ثلاث سنوات مشغولة جدًا، فجأة لا شيء، فقط أنا. جردتني تلكَ المفاجأة من كل شيءٍ يضع بصمته علي، من لبسي ورائحتي ومظهري، من كل شيء.
انهمرت الأسئلة عليَّ حتى أغرقتني، وغرقت؛ عشت ثلاثة أشهرٍ مكتومًا أبحث عن متنفسٍ، أبحث عن حياة.

أما عن الآخرين ممن كانوا يعيشون معي في تلك الفترة:
أرى أحدَ أفراد الأسرة يتحدث عن استثمار الأموال، ويعمل في التحقيق والصحة، لماذا؟ أقول لنفسي، أعملهُ هذا واستثماراته هي السبب المطلق الذي يجعله ينهض من نومه كل يوم؟ 

أرفع رأسيَ الآن، أنظر إلى المقهى بعد الأشهر الثلاثة تلك  بشعورٍ جديد أصيل، وقد شملني تجدد قشرة العالم رغمًا عني. أرى صانعَ القهوةِ وأستشعر سبب صنعه للقهوة، أرى من يصمم وألمس تركيزه في تصميمه، ومن يدرس، ومن يقرأ. 

صرت أرى كل تلكَ السلوكيات بنظارةٍ جديدة صنعها الوجود لي، هذا ما ساهم في رغبتي بارتدائها. فجعلتني أعيدُ النظرَ في أمر المعنى وأتساءل: هل على المعنى  أن يكونَ مطلقًا؟

ما رأيك بالمنشور؟