عصر التنميط الثقافي: حافظ على تفردك – حمود الباهلي

يُذكر أن أحدهم توجه إلى مطعمٍ وقال للكاشير:” لو سمحت، أبغى واحد تشيز برجر من دون جبن!” أستشهد بهذه الطرفة دليلًا على قوة القولبة الثقافية والتي قد تجعلنا لا نعقل الخيار المناسب لنا.

لو سُئل معظمنا عن أفضل شاعر عربي، فلا شك أن أسماء المتنبي أو امرئ القيس حاضرةٌ حتى وإن لم يقرأ معظمنا ديوانا شعريًا واحدًا.
فتفضيل معظم النقاد لهذين الشاعرين هيمن على ذوقنا الثقافي، من يجرؤ على التشكيك في صدارة هذين الشاعرين؟

سأتناول في هذه المقالة مفهوم القولبة الثقافية.

في الأصل التنوع

لو أعطيتَ ديوانَ جرير عددًا من متذوقي الشعر، وطلبتَ منهم بعد تصفحهم له أن يختار كل واحد منهم أفضل قصيدة من بين القصائد لتعددت اختياراتهم. بل قد يختلف تقييم الشخص نفسه لديوان جرير من وقت لآخر بحسب تجربته وظروفه الحياتيتين؛ إذا كان شابًا واقعاً في الحب، قد يختار قصيدة غزلية. أما إذا كان غاضبًا فقد يميل لاختيار قصيدة هجاء.

أستخدم هذا المثال للبرهنة على أن التقييم الثقافي في جوهره ذاتي وليس موضوعيًا. نتناول المنتج الثقافي (سواء كان نحتًا أو قصيدة أو فيلمًا أو رواية) وفق تجربتنا الشخصية وذوقنا الشخصي. قد يفسر هذا الأمر لماذا أن حصول رواية على جائزة بوكر لا يعني بالضرورة أنها ستجد قبولًا جماهيريًا.

هذا التنوع منطقي وصحي. منطقي من باب أن لكل منا ذوقه خاص، وصحي لأن الحياة ستكون مملة لو امتلكنا جميعًا الأذواق الثقافية نفسها.

من أين جاء التنميط الثقافي؟

لعالم النفس الاجتماعي الأمريكي من أصل بولندي سليمان آش تجربة جميلة عن تأثير الجماعة على الفرد.

رسم سليمان عدة خطوط متجاورةٍ ورسم إلى جانبها خطًا وحيدًا، ومن ثم طلب من المختبرين اختيار أي الخطوط متطابقة مع ذلك الخط.

أقيمت التجربة على مرحلتين: في المرحلة الأولى يكون المختبر بمفرده، وبلغت نسبة الإجابات الصحيحة على تمرين اختيار تطابق الخطوط 99٪.

في المرحلة الثانية، يوضع المختبر مع عدد من الأشخاص. يُهيأ للمختبرِ بأن الأشخاص مختبرون هم الآخرون، لكن الحقيقة أنهم موجودون هناك للتأثير على المختبر وحسب. بعبارةٍ أخرى، يدعي هؤلاء الأشخاص أنهم يحاولون مطابقة الخطوط في حين أن آش وضعهم بغرض اختيار إجابات خاطئة عمدًا أحيانًا لقياس مدى تأثير الجماعة على اختيار المختبر. 

اختبر آش كل شخص 12 مرة، وبلغت نسبة الإجابات الخاطئة 76 ٪. تخيل عزيزي القارئ: أكثر من ثلثي المختبرين كذبوا حدسهم السليم واختاروا الإجابة الخاطئة عارفين بخطئها تحت تأثير القرناء.

إذا شاهدت فيلم “the Irishman” لعلك تعجبت مثلي من ثناء الآخرين عليه وتساءلت عن الاحتفاء المبالغ به رغم أن فكرته مستهلكة وأداء ممثليه رتيب. يكمن جزءٌ من الإجابة باختصار في الأسماء الشهيرة المصاحبة للفيلم ودعاية نتفليكس الضخمة له، وهذان عاملان صعبا من إبداء رأي معارض له. بعبارةٍ أخرى، يصبح السؤال المعارض كالتالي: كيف لفيلمٍ يحمل كل هذه الأسماء اللامعة والدعاية الضخمة ألا يكون جيدًا؟ 

لما زرتُ متحف اللوفر تهتُ بين روائع الفن، ولم أدر كيف أوزع الأربع ساعات المتاحة لي في تأمل كل الروائع الفنية. بطبيعة الحال، كان على أن اختار عددًا قليلًا منها. ستكون لوحة الموناليزا بالتأكيد إحداها، إذ كيف ستقول للناس أنك زرتَ اللوفر ولم تقف عند الموناليزا؟ سألتُ أحد العاملين هناك: أين أجدها؟ قال هي اللوحة الوحيدة التي يقف عندها أكثر من ثلاثة. كان كلامه صحيحًا؛ فيما ندر أن يزيد عدد الواقفين أمام بقية المعروضات هناك عن الأربعة، وقف أمام الموناليزا حين وصلتُ إليها أكثر من أربعين شخصًا. كان الحشدُ حول اللوحة وأيدي الناس المرفوعة وهي تلتقط الصور مشهدًا مماثلًا لما يحدث أمام المخبز والفوّال حين يتجمهر الناس وترتفع الأيدي حاملة النقود. في المتحف معروضات تفوق روعة لوحة الموناليزا سواء كانت رسومات أو منحوتات، لكن أغلب الزوار يقع ضحية القولبة الثقافية. 


لماذا لم أعتبر تفضيلهم ذوقًا شخصيًا بل نتيجة للقولبة الثقافية؟ لأني لاحظت أن المتجمهرين حول الموناليزا يمرون أمام الروائع الفنية الأخرى ولا يقفون عندها حتى من باب المجاملة. كان هدفهم من البداية هذه اللوحة وحدها.

زاد تأثير القولبة الثقافية مع بروز مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار التقييمات عبر الحسابات الشخصية. لعلك لاحظت ظاهرة غريبة بتويتر: يُثني البعض على مادة ثقافية ما (كتاب/ مجلة/حلقة بودكاست) قبل توفر الوقت الكافي للاطلاع عليها، والسبب وراء ثنائه أن هناك حملة في تويتر تثني عليها، وبالتالي لم يكن هناك بد من أن يركب البعض ذات الموجة.

لا غنى عن الاستفادة من تقييمات المتخصصين

أستفيد شخصيًا من موقع غودريدز في معرفة تقييمات الكتب التي تقع ضمن دائرة اهتمامي، كما أستفيد من تقييمات موقع IMDB  للأفلام والمسلسلات. من وجهة نظري، بما أن المختصين يبذلون جهدًا أكثر من الهواة في مجال ما، فقد تحسن مع هذه الخبرة كل من تقييمهم الموضوعي والذائقة الشخصية للمنتجات الثقافية داخل نطاق اهتماماتهم. 
تقييم المختص في الأدب لديوان شعري أعلى ممن لم يختص بالأدب. لكن هذا لا يعني البتة أن يكون الفرد أسيرًا لتفضيلات المختصين. تقييمات المختصين عامل مساعد، لكنه ليس عاملًا حاسمًا كالذائقة الشخصية في تناول منتج ثقافي.

مهما حصلت رواية ما على تقييم عال، ما لم تعجبك الرواية، فهي فعلا لم تعجبك! لا تخجل من ذلك!

هل أنت منمط ثقافيًا؟

إذا كانت أغلب الكتب في مكتبتك هي عادة من ضمن شريحة الكتب الأكثر مبيعًا، وإذا كانت أغلب تفضيلاتك للأفلام والمسلسلات هو ما يكون عادة ترند في نتيفليكس، وإذا كانت أحسن الوجهات السياحية في نظرك هو مما اعتاد الناس ترديده، فإنك في الحقيقة لا تمتلك ذوقًا ثقافيًا مستقلًا.

تكوين ذوق ثقافي خاص ليس عملية سهلة فهي تتطلب جهدًا يوميًا لمقاومة تأثير من حولك عليك ثقافيًا. لكن نتائج العملية مبهرة، وامتلاك ذائقة خاصة هي جزءٌ مما يجعلك مختلفًا عن الآخرين.