حب لامشروط، مشروط – ليان

لا يوجد حبٌ غير مشروط في أي علاقة، غربية كانت أم شرقية، شمالية كانت أم جنوبية. لا يوجد في أي الأماكن علاقات تُبنى على حب غير مشروط، سواء كانت علاقة الأمهات بأبنائها أو علاقة محبّين. لا تنخدع بخدعة البشر المتمرسين بجعل الحياة مثالية فتشعر أنك في مدينة فاضلة متكاملة من جميع النواحي.

ليس الحب غير المشروط سوى كذبة نطق بها شخص له مع الدِمة صلة أخلاقية أو شكلية . ستبدأ قائمة شروطه بأنه يريد حبًا غير مشروط ، ومن سيقبل به سوى شخص يطرب للأغنية التي تستفتح كلماتها بالحب غير مشروط، غير مدركٍ أنها تنتهي بشروط بل وحتى أمان لا يحققها حتى مارد مصباح علاء الدين. فما بالك بشخص ضعيف أذابه الحب أو ظروفه؟

فمثلًا في اليوم الأول سيقول: “أنا لا أحب صوت المكنسة. اكنسي وعثي أنتِ ومكنستك في أرضية المنزل فسادًا كما شئتِ عندما أخرج.”
وفي اليوم الثاني سيقول: “أريد ولدًا”، وكأن بعث الأرواح بيدك أنت. 
في اليوم الثالث: “لا تذهبي لمنزل عائلتك كل أسبوع. يكفي زيارة كل ثلاثة أسابيع فإن الشوق ينهكني.” وليس الشوق هنا سوى شرط لعين بعذرٍ ألعن يستهدف الاستعطاف للموافقة.
في اليوم الرابع سيخبرك أن التدخل بعمله وسؤاله عن العمل موضوعٌ غير قابل للطرح من جهتك.
في اليوم الخامس سيأتي ممازحًا ويقول بأنه يحب الشعر الفاتح وأنه لطالما تمنى زوجة شعرها أشقر كابنة ترامب، فتتساءلين ما إذا كان هو صاحب شيلة “إيفانكا شيخة الحلوات.”
في اليوم السادس سيقول: “يالغرابة لون بشرتك! ألا يمكنك تبيضه بخلطات أم عامر؟”
في اليوم السابع سيقول: “أصبح جسمك مترهلًا. انظري لعلامات التمدد من حملك! عالجيها، فأنا لا أحبها”، وكأنك خلقتِ من خياله مصورة بصورة مطبوعة بورق A4 عند مكتبة البوادي.  

الحب اللا مشروط كذبة ليستحوذ من يحب “أقل” على من يحب “أكثر”، ليستحوذ القاسي على المضحي. فإن وجد القاسي الفرصة لطرح شروطه اللانهائية من البداية فإنه سيضعها كتعداد وتبيانٍ لما يحب. 

فلا ينحصر الشرط على علاقة حميمية أو زوجية. يمكن أن يتجلى الشرط مثلًا بين الأم وابنها: فإن أطاع كلمتها وأصبح رهن يدها تكبل بشروطها، وفي المقابل تحتضنه هي وتكرم مثواه عند المكوث والرحيل. حتى وإن كان ذلك لا يصب بمصلحة أحد الطرفين. فلنفترض أن أمًا قالت لابنها: تزوج ابنة خالتك وإلا غضبت عليك. حتى وإن كانت الأم تعلم أن ابنها يحب امرأة أخرى، يصبح الابن بين نارين: نار الفراق والحزن الذي سيعيشه بعد محبوبته، ونار الغضب في قلب والدته إن لم يتزوج ابنة اختها.
الشرط قائمٌ لا مفر منه إلا بغضب والدته أو الزواج من ابنة خالته، فيقع على عاتق هذا الابن المسكين أمران: تفريطٌ بالحب أو الغضب. فإن تزوج وقلبه يحب غير زوجته أصبح خائنًا وناكثًا للوعد، وإن لم يتزوج حل عليه غضب والدته الذي سيهدم حياته.
فإن وجدت نفسك بين جملة تتضمن “وإلا” فإنك هالكٌ لا محالة. من قال أن هذا حب غير مشروط فإنه غير واعٍ بما يدور من حوله. فحتى الطفل لن يعطيك القبلة التي تنشدها على خدك دون وعده بالسكاكر (إلا في حالة أنه لم يفقه بعد). 

تُصنّف الغيرة الزائدة من الشروط في الحب. فالغيرة عند تغزلِ أحدٍ ما بمحبوبتك واجبٌ وقوعها. ولكن إن كان مدحًا – سواء مدحُ كثير أو قليل- فالغيرة شرطٌ حاضر، بل يصبح العذر لغضبه وتذمره حاضرٌ حتى قبل وقوع الفعلين. فإن سألته عن أسباب غضبه وانزعاجه قال لك دون حتى أدنى تفكير “أغار”. وإني أظن أنه لو فكر دقيقة إضافية لوجد أن الأسباب الحقيقية غير ذلك.

من المؤسف أن مفهومي السمع والطاعة كانتا في طليعة ما يحدد مدى المحبة والتقدير. فإن رفضت الانصياع لأوامر والدك بدخول كلية الطب وأنت تحلم منذ الصغر بأن تصبح مهندسًا، ستعتبر الولد العاق المنبوذ. وأما إن دخلت ما يريد فستصبح الاسم المتباهى به في مجالس الكبار قبل الشباب، وسيُذكر أنك الابن البار الذي مكّن والده من أن يُكنى بـ “أب الطبيب” متجاهلين حلمك. سيخبرونك أن طاعة الوالدين تجلب لك البركة في حياتك، سوى أنهم لا يخبروك عن حدود ما يُطاع به الأب فيصبح الأمر محض مبرر للتسلط والتدخل بحياة شخص آخر. 

يفرض إطار العائلات والمجتمع الحب المشروط لأن الجميع ينصاع لعلاقة مشروطة أيًا كانت مسماها. سيبررون ألف تبرير للشارط وسيلعنون المتمرد صبحًا وعشية. سيقصون قصة المتمرد الذي -للأسف ويا لشدة حزننا عليه- اختار ما يريد ويقولون بعد ذكره “الله لا يبلانا” عشر مرات، وكأنهم يتعوذون من شيطانٍ مريد. 

بغض النظر عن نوع العلاقة، تثقل الشروط -خفيفها وثقيلها- أكتاف الطرف الآخر حد الفراق. ولعل ما يتفاوت بين العلاقات هو الاختلاف في شدة التعامل وحدة أحد الطرفين في المطالبة بالشروط وما يترتب عليها.

يجب علينا الاعتراف والتفكير بأمور حياتنا الكبرى منها والصغرى من أجل أن نستطيع التكيّف معها بل ومحاولة تفاديها بقدر الإمكان. جميع الأمثلة التي ذكرتها لن تكون جزءًا من الواقع، ولكنها عمومية وشمولية وكبرى كي تهوّن بأعيننا الصغرى. وللعقل القياس والمرجع بكل تلك الأمور.